كتب الأستاذ حليم خاتون: إذا أراد القطري النجاح
مقالات
كتب الأستاذ حليم خاتون: إذا أراد القطري النجاح
حليم خاتون
26 أيلول 2023 , 21:46 م

كتب الأستاذ حليم خاتون: 

"كثرة الطباخين، تفسد الطبخة".

تحولت طبخة الرئاسة في لبنان الى طبخة "بحص"...

ما يحتاجه الوضع في لبنان هو التوقف عن التعامل مع طبخة الرئاسة على أنها تتكون من مكون واحد فقط...

يعتقد الاستاذ جوني منير، وقد قالها صراحة أن القطري مستعد لرمي عدة مليارات من الدولارات في لبنان إذا مشت الأطراف مع انتخاب جوزيف عون...

لم يتأخر الشيخ صادق النابلسي للرد على ما يتم ترويجه باسم الحل المالي القطري حين أعلن بشيء من اللامبالاة أن ليس عند قطر ما تقدمه غير المال!

هل الأمر كذلك فعلاً؟

من المؤكد أن الكثيرين من الشعب اللبناني "شط ريقهم" على خبر تدفق المليارات...

في لبنان، جماعة "بدنا نعيش اليوم، ولا يهم غداً" كثر، وكثر جداً في هذا البلد...

لكن إذا ما تمت العودة إلى ما قاله أكثر من إعلامي، ومن بينهم من غطى اجتماعات الدوحة سنة ٢٠٠٨، ومنهم الاستاذ رفيق نصرالله الذي اعلن أن الدوحة سار بعد أن قبض كل طرف الثمن المالي المطلوب...

وعندما سأل عن الذين قبضوا؛ أجاب بالحرف، الكل بلا استثناء...

لذلك، على من "شط ريقهم"، أن "يروقوا شوي"...

الذي سوف يقبض من القطريين ليسوا من عامة الشعب...

القطري يعرف جيدا أنه يكفي الدفع لزعماء القبائل والطوائف، والشعب سوف يسكت وربما يرقص في الشوارع أيضاً...

صحيح أن القطري يأتي مدعوماً من الأميركي، لكن الثمن لقبول جوزيف عون رئيساً لن يمر مع التيار العوني هكذا ببساطة...

جوزيف عون لن يعطي باسيل ما يكفي من المال والنفوذ، أللهم الا إذا استطاع القطري جلب رفع اسم جبران باسيل عن لائحة العقوبات...

أما المال، جبران باسيل، كما كل الزعماء في لبنان يعرفون جيداً أن كل ما يمكن أن تدفعه قطر لن يتجاوز ملاليم بالمقارنة مع ما يعطيه التواجد في السلطة في هذا البلد اللعين...

حتى بعد وقوع الأزمة، وفي عز الكارثة، استطاعت الأحزاب المختلفة وضع اليد على اكثر من ثلاثين مليار دولار، والشعب "مصدق" اسطوانة قدسية الودائع...

تحت بنود دعم الفقراء والمساكين والطلاب وغيرهم من التعساء اللبنانيين، استمرت كل الاحزاب في حلب آخر نقطة حليب من البقرة اللبنانية...

لذلك، مجيء جوزيف عون لن يكون إلا إذا وافق جبران باسيل؛ وثمن باسيل عند الأميركيين معروف...

هو طلب غير صعب على أميركا التي لم يمض وقت طويل منذ أفرجت عن الأسرى الإيرانيين عندها مع حوالي ستة مليارات دولار...

إذا، أميركا ترفع اسم باسيل عن العقوبات وقطر تدفع...

هذه الوصفة ليست بعيدة ولا مستحيلة...

قطر تستطيع أيضاً إرضاء القوات والكتائب وجماعة "التغيير" وحتى المردة وحلفاء المردة...

لكن ماذا عن الثنائي؟

هل يكفي حركة أمل أن تذهب قطر إلى صيغة اجتماع حواري يتوافق مع طلب الرئيس بري بأن يسبق الانتخابات حوار ما كما تلمح بعض المقالات الصحفية؟

هذا أمر مشكوك فيه...

ليس بسبب العفة، ولكن لأن حركة أمل ورثت تيار المستقبل في القيادة، ولا يمكن أن تفرط بحصة وازنة من السلطة...

إذا كان وليد جنبلاط قد انسحب من واجهة السلطة بعدما تأكد أن تيمور ومن بقي من الحزب الإشتراكي باقون بحكم دولة الطائف القائمة على سلطة الطوائف...

لا يستطيع الرئيس بري تنفيذ انسحاب صوري كما وليد جنبلاط؛ لأسباب شخصية في عائلة الرئيس بري نفسها؛ وأخرى موضوعية تتعلق بتركيبة حركة أمل وتركيبة شكل الزعامة في الطائفة الشيعية بعد سقوط الإقطاع السياسي التقليدي...

ثم إن الرئيس بري اليوم يلعب دور "الأب العراب" في هذه السلطة...

حتى العائلات الخارجة على سلطة العراب الكبير تعرف انها في النهاية تفضل تقبيل يد هذا العراب والخضوع له... لكن بعد أن يتحرر من الوزن الزائد الذي يفرضه وجود حزب الله...

هنا نأتي إلى بيت القصيد...

مشكلة القطري سوف تكون حصرا مع حزب الله...

مشكلة القطري هي أن حزب الله يعرف جيدا أن قطر ليست أكثر من واجهة أميركية...

لذلك حل المشكلة بالمال وحده لن يفيد...

الحزب يطلب أكثر من ذلك بكثير... على الاقل حتى اليوم...

كما جرى في الترسيم البحري، حزب الله مستعد لمساومة غير مباشرة...

في النهاية، عبد الناصر تكلم مع الأميركيين قبل الموافقة على فؤاد شهاب رئيساً...

حافظ الأسد تكلم مع الأميركيين قبل ترشيح مخايل الضاهر ثم الوصول إلى رينيه معوض وبعده الياس الهراوي...

ثم إن المساومة على اسم الرئيس لن تكون خاسرة إلا إذا أعطى حزب الله كل بيض السلطة لاميركا وجماعة أميركا في البلد... وهذا لن يحصل...

حزب الله الذي تعلم من مقلب الدوحة واحد، سوف يسأل الموفد القطري عن كيفية إعادة تركيب هيكل السلطة في لبنان...

صحيح أن حزب الله يتوافق مع الأميركيين على المحافظة على جوهر النظام في هذا البلد، وقد ظهر هذا بوضوح كامل يوم قفز حزب الله للدفاع عن أسس هذا النظام ومنع سقوطه...

لكن هل يريد الاميركيون فعلاً الحفاظ على النظام...؟

رغم كل الكلام عن خيار الفوضى الخلاقة في أكثر من بلد عند الأميركيين إلا أن الوضع في لبنان حتى اليوم لا يحتمل هذا الخيار...

خصوم حزب الله أضعف بكثير من منع سيطرة الحزب بالكامل على البلد، ولو بطريقة غير مباشرة...

لذلك ربما لا يتوقف الأميركي عن خلط الأمور، يوماً مع النزوح السوري الملغوم، ويوما آخر مع تفجير الوضع الفلسطيني الذي بدأ في عين الحلوة ولا احد يعرف الى أين سوف تصل الأمور...

لذلك، ودون كثير كلام، يمكن القول إن الأميركيين سوف يحاولون الوصول إلى تسوية تشبه كثيرا تسوية الترسيم البحري، كما تشبه ما جرى من تسويات بين أميركا وإيران طالما أن هذا سوف يحافظ على برودة الجبهة الشمالية في فلسطين المحتلة...

في هذه الحالة يعود كل الكلام الى المربع الأول التي تكلم عنها الفرنسي:

في لبنان قوتان،

حزب الله، وبعض من يمشي معه...

أميركا ووراؤها كل الطيف المعادي لحزب الله...

لكن القرار ليس قرار أي من الأطراف في الفريقين.

القرار هو فقط في يد حزب الله وفي يد أميركا...

القضية ليست في رئاسة الجمهورية...

القضية لم تعد في رئاسة الجمهورية...

لو لم تكن الساحة المسيحية مليئة بالاغبياء النرجسيين، كانت انقضت الأمور بانتخاب سليمان فرنجية...

لكن يمكر باسيل، ويمكر جعجع، والله أعظم المدبرين...

لا تكرهوا امرا، عساه يكون خيرا لكم...

حزب الله الذي كان يرضى بأن يكون على هامش الدولة العميقة ويرضى بأن يسير الرئيس بري بعض أموره...

حزب الله الذي كان يوافق على ترك البلد في يد الترويكا مقابل ترك مسألة التحرير في يده...

لا حزب الله سوف يوافق على العودة إلى تلك المعادلة التي نفسها الاميركيون انفسهم في لحظة سكر و"شطوح" حين قاموا باغتيال رفيق الحريري لإنهاء هذا الوضع؛ خاصة وأن السحر انقلب على الساحر وصار حزب الله قوة إقليمية اقوى من معظم الأنظمة العربية في الإقليم...

ولا أميركا سوف توافق على تعاظم قوة حزب الله واستمرار تهديد الكيان المؤقت بشكل دائم...

ما الحل إذا؟

تسوية تطال ليس بعبدا وحدها، بل كل قصور الحكم في لبنان وفي كل المراكز وكل السلطات...

متى يكون هذا الحل؟

وحده الله يعرف...

لأن أميركا لن تجرؤ على تفجير حرب مباشرة مع الحزب في ظل هذه الأوضاع...

ولأن الحزب، كما محور الممانعة كله لم يتخذ قرار محاربة أميركا، على الأقل حتى مستقبل منظور...

سوف نظل في الوضع الرمادي...

إذا، أخذنا كلام الاستاذ رفيق نصرالله على أنه أكثر من تحليل،

فإن ما يجري اليوم هو حوار غير قائم على توزيع كل السلطات...

المطلوب معرفة اسم رئيس الجمهورية، كما رئيس الحكومة، كما كيفية تركيب الحكومة...

كذلك مطلوب معرفة أسماء حاكم المصرف المركزي وقائد الجيش المقبل... بالإضافة إلى إعادة ترتيب السلطة القضائية الثالثة...

حليم خاتون

المصدر: موقع إضاءات الإخباري