الغاية تبرر الوسيلة
مقالات
الغاية تبرر الوسيلة
م. زياد أبو الرجا
9 شباط 2024 , 20:20 م

 كتب م. زياد أبو الرجا:          

" لا يمكن افساح اي مكان لامة اخرى في فلسطين الا من خلال ازاحة او ابادة الامة القائمة عليها"جورج انطونيوس مؤلف كتاب يقظة العرب في الجدال حول الصهيونية.

* عندما دارت رحى الحرب العالمية الاولى يوم الثامن والعشرين من شهر تموز/ يوليو ١٩١٤م كان الغرب الاستعماري قد انجز مهمته في صياغة المصير السياسي لشعوب الارض الاخرى، وبرز له الشرق الاوسط كاحدى مناطق العالم التي لا تزال تنتظر دورها، انه احد الاقاليم القليلة المتبقية في العالم التي لم تكن بعد قد اعيدت صياغتها اجتماعيا وثقافيا وسياسيا بالصورة الاوروبية.في تلك الحقبة من التنافس الاستعماري دخل الشرق الاوسط في مضمار مناقشات " اللعبة الكبرى".

* دخلت الامبراطورية العثمانية الحرب في السادس من كانون الاول/ديسمبر ١٩١٤م عندما شن الجيش العثماني الثالث بقيادة وزير الحرب انور باشا الهجوم على هضبة القوقاز  الروسية انذاك ، ومني بهزيمة نكراء ، بسبب الثلوج المتراكمة ، ودرجة الحرارة المتدنية ثلاثين درجة تحت الصفر.فقد الجيش الثالث ستة وثمانين بالمائة من قوامه المكون من مائة الف مقاتل.

* في الخامس عشر من شهر كانون الثاني/ يناير  ١٩١٥م بدأ الجيش العثماني الرابع المتمركز في سورية وفلسطين زحفه نحو مصر بقيادة جمال باشا والي سورية وفلسطين ، ووصل الى الضفة الشرقية لقناة السويس لان الطقس كان مناسبا لعبور صحراء سيناء.لكنه فشل في العبور الى الضفة الغربية لان جيشه لم يتدرب بشكل كامل على كيفية نصب الجسور التي قدمتها المانيا للجيش العثماني. فتحت القوات البريطانية نيران مدفعيتها المتفوقة ، وبدأ الجيش العثماني في التقهقر ، وفقد عشرة بالمائة من قواته.حفزت هزائم الجيوش العثمانية وفتحت شهية (( بريطانيا وفرنسا وروسيا )) لابتلاع والاستيلاء على اسطنبول العاصمة وباقي مناطق الامبراطورية العثمانية.طلبت روسيا من بريطانيا وفرنسا ان تسلما لها كلا من اسطنبول والممرات المائية بالاضافة الى الاراضي المجاورة، والتنازل لهما عن مناطق الامبراطورية العثمانية الاخرى وفي القلب منها الشرق الاوسط

* بدى دخول الامبراطورية العثمانية الحرب ، وكانه هيًأ الظروف التي قد يتحقق فيها الحلم الصهيوني، وكتب المؤرخ والكاتب البريطاني اتش.جي.ويلز. H.G.Wells في مقالة صحفية يسأل(( ما الذي سيمنع اليهود من الحصول على فلسطين، واستعادة ارض اليهودية الحقيقية)).في شهر كانون الثاني/ يناير ١٩١٥م رفع المندوب السامي على فلسطين اليهودي الصهيوني هيربرت صموئل Herbert Samuel مذكرة الى رئيس الوزراء البريطاني اسكويت Askwett يقترح فيها تحويل فلسطين الى محمية بريطانية ، وذلك لاهميتها الاستراتيجية للامبراطورية البريطانية. اشار صموئيل الى سكرتيره الرئيسي(( ويندهام ديدس)) الى ان عصبة الامم كانت تعتبر منطقة شرق الاردن جزءاً من اقليم فلسطين الذي عرضت العصبة انتدابه على بريطانيا، وبالتالي فان بريطانيا لم تكن تجرؤ على اتخاذ قرار احادي بفصل شرق الاردن عن  باقي فلسطين.

حين تم انتداب بريطانيا على فلسطين صارت مثل شريحة لحم شهية تحت السكين البريطانية والشوكة الصهيونية.

* عندما فشلت المساعي الفرنسية بالاستيلاء على فلسطين، وايقنت انها ايلة لبريطانيا ، قامت فرنسا بشن حملة اعلامية قوية تهدف الى منع فلسطين من ان تصبح (( دولة صهيونية)) ، ولما كانت بريطانيا ترعى الصهيونية في فلسطين ، فقد اتخذت تلك الحملة صبغة معادية للبريطانيين.لكن الحكومة الفرنسية كانت تعارض ان تكون فلسطين يهودية اكثر حتى من ان تكون بريطانية.ان قضية وطن اليهود القومي في فلسطين هي (( مجرد وسيلة للانجليز  لكي يقوضوا مكانتنا، وان الصهيونية والبلشفية مؤامرة يهودية عالمية تسعى بكل تأكيد لان يكون بيدها دمار العالم المسيحي)). كان" روبرت دي كايس" يدير مصالح فرنسا في سورية قال:(( انه لمن غير المقبول ان يصبح بلد المسيح فريسة لجيتو اليهود وهرطقة الانجلو-ساكسونيين.يجب ان يبقى البلد ارثا محرما خاصا بالفرنسيين والكنيسة، وانه سيكون من العار وجريمة لا يمكن التعويض عنها الاً تْبعَدَ هذه الارض المقدسة عن جشع حلفائنا الوحشي)).

نلاحظ هنا الانقلاب البراجماتي مئة وثمانون درجة  على ما كتبه" جوليس كامبون" المدير العام لوزارة الخارجية الفرنسية في الرابع من حزيران/ يونيو ١٩١٧م الى " حاييم سوكولوف" مسؤول الحركة الصهيونية العالمية ، الذي كلفته فرنسا بالذهاب الى روسيا واستخدام نفوذه هناك لكي تبسط انتدابها على فلسطين(( لقد احسنتم بما يكفي في تقديم المشروع الذي تكرسون لاجله جهودكم الرامية الى تطوير استعمار يهودي في فلسطين، واعلموا  انه اذا سمحت الظروف وتم تامين استقلال الاماكن المقدسة ، فانه سيكون صنيع عدل وتعويض منا ان نساعد، من خلال منح حماية الحلفاء، في اعادة بعث القومية اليهودية في تلك الارض التي نفي منها شعب اسرائيل قبل قرون عديدة من الزمن، وان الحكومة الفرنسية ، التي دخلت هذه الحرب للدفاع عن شعب هوجم بغير حق والتي تمضي في النضال لضمان انتصار الحق على الجبروت، لا يسعها الا ان تكن التعاطف لقضيتكم، التي يرتبط نصرها مع نصر الحلفاء، ويسعدني هنا ان امنحكم ضمانا كهذا)).

* ما ان وضعت الحرب العالمية الاولى اوزارها في الحادي عشر من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر ١٩١٨م وغطى الرماد الكثيف الجمر المتقد تحته حتى بدأت الجدلية التاريخية تفعل فعلها، وهو التحضير للحرب القادمة بعدها.هذا ما اثبته التاريخ المعلم الاكبر ، وما فعلته الامبراطوريات السابقة، وما تقوم به الحالية، وما ستقوم به الامبراطوريات اللاحقة الى ان يرث الله الارض ومن عليها.لكن هذه الجدلية " القائلة بان الحرب تلد حربا اخرى" لا يعيها الا المثقفون ورجال السياسة وجنرالات الجيوش .اما خبراء الاعلام الاخطرمن كل اولئك فمهمتهم تضليل الشعوب وتخديرها بمقولات الديموقراطية والحرية والعدل والسلام والصداقة بين الشعوب والاحترام المتبادل بين الدول.بعد عقدين من الزمن وفي الاول من شهر ايلول/ سبتمبر  ١٩٣٩م اشتعلت الحرب العالمية الثانية بين القوى التي انهزمت في الحرب العالمية الاولى وتلك التي انتصرت فيها.كانت شعوب الشرق الاوسط لا ناقة فيها ولا بعير، ومرة اخرى تقوم الدول الاستعمارية بتقطيع اوصال المشرق العربي الى اشلاء وتم تغليف بعض اقاليمه في ورق مزين فقامت فرنسا بسلخ لواء الاسكندرون وتم اهدائه لتركيا لكي لا تدخل الحرب الى جانب المحور.واما فلسطين التي تم اشباعها بمئات الاف المستوطنين وشكلوا عصاباتهم وقواتهم المسلحة التي راحت ترتكب المجازر والابادة والتطهير العرقي وبدعم كامل من بريطانيا سياسي وعسكري  صارت ثمرة ناضجة لتقطفها الحركة الصهيونية.حين انتهت الحرب العالمية الثانية في الثاني من ايلول/ سبتمبر ١٩٤٥م اجتمعت الدول المنتصرة لاقتسام العالم وابقت على نيران الحرب مشتعلة في شرق اسيا كوريا والفيتنام بشكل خاص.اما الشرق الاوسط وفي القلب منه فلسطين التي وضعت على مشرحة مجلس الامن الدولي الذي اعتمد قرارات جائرة واهمها قرار التقسيم الذي على اساسه قامت دولة الكيان الصهيوني واعترفت بها الدول الكبرى الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفياتي. لقد تحقق ما حذر منه جورج انطونيوس قبل ثلاثة عقود ونيف من انه (( لا يمكن افساح اي مكان لامة اخرى في فلسطين الا من خلال ازاحة او ابادة الامة القائمة عليها)). قالت العرب قديما: (( لا يجتمع سيفان في غمد واحد)).كان يوم الخامس عشر من ايار/ مايو  ١٩٤٨ م يوم النكبة الذي توجت فيه عمليات الابادة والمذابح والطهير العرقي والتهجير القسري.وصار يوم ما يسمى بالاستقلال الصهيوني الذي اغتصب ثمانين بالمائة من ارض فلسطين غرب النهر.

قام الامير عبد الله بن الحسين بتوسيع حدود امارته في فلسطين حيث الارض الخصبة والكثافة السكانية والحضارة والثقافة .وبما ان "  الغاية تبرر الوسيلة " فان احسن الوسائل لتحقيق ذلك هو تطوير علاقات جيدة مع القيادة الصهيونية .بعد الحرب العالمية الثانية توصل الى اتفاقية مع الوكالة اليهودية على كيفية اقتسام فلسطين بعد الانتداب، وخاصة ان الامير عبد الله اراد الضفة الغربية التي كانت خالية من المستوطنات، على الرغم من انها تحتوي على بعض المواقع التوراتية مثل الخليل. ومع ذلك ندم الصهاينة الذين لا عهد لهم على تلك المقايضة وقاموا باحتلالها في حزيران / يونيو ١٩٦٧.

اما الان فان عين الكيان على الاردن وعاصمته عمان التي يعتبرها جزءا من فلسطين التاريخية ، مثلما عينه على جنوب الليطاني في لبنان.ان السد المنيع امام اطماعه التوسعية ومؤامراته هو تجسيد وتمتين شعار (( شعب واحد لا شعبين)) قولا وعملا، واعدادا واستعدادا. والوقوف بحزم ضد المغرضين من دعاة التفرقة والفتن.

بالنسبة لقطاع غزة الذي كان تحت الادارة المصرية وتم احتلاله في حرب حزيران / يونيو ١٩٦٧م قام شارون بالانسحاب منه عام ٢٠٠٥ وفي عام ٢٠٠٦ سيطرت عليه حركة حماس مما ادى الى انقسام الشعب الفلسطيني عاموديا وافقيا. ان هذا الجزء الصغير من ارض فلسطين لم يكن له اهمية تذكر في ذلك الوقت ليس بالنسبة للكيان ولا للدول الاقليمية.بعد الكشف عن عمليات المسح الجيولوجي لسواحل شرقي البحر الابيض المتوسط التي اثبتت احتوائها على مخزون هائل من النفط والغاز .مما دفع الدول الاستعمارية بما في ذلك روسيا والصين للسيطرة على هذه الثروة كل من موقعه وحسب قدرته .وراحت الدول الاقليمية تصطف الى جانب هذه الدولة او تلك حسب ما تقتضيه مصالحها الوطنية .اطلقت امريكا والغرب الاستعماري ما سمي بالربيع العربي وزجت بقوى الارهاب الدولي بقيادة اردوغان وتنظيم الاخوان ليعيثوا دمارا وتخريبا في بلاد الرافدين والشام.وخضع قطاع غزة الذي يحتوي بره وشواطئه على النفط والغاز وصار محط انظار القوى الطامعة بخيراته  بحيث اصبح الصراع بين السلطة في رام الله وحماس في غزة واستحالة اتفاقهما يعود في معظمه الى النفط والغاز هناك. اكتسب قطاع غزة اهمية جيو استراتيجية لانه صار الممر والمعبر لقناة بن غوريون البديلة عن قناة السويس وممرا لخطوط السكك الحديدية وانابيب النفط والغاز القادمة من الجنوب .ان من اهم الاعتبارات الاستراتيجية لحرب الكيان على قطاع غزة هي اعتبارات اقتصادية والتي لا يمكن تحقيقها وضمان نجاعتها الا باحتلال القطاع وتفريغه من سكانه عبر التطهير العرقي والمجازر والتهجير القسري والطوعي.ان الحرب الدائرة الان لن تتوقف. وان الكيان لن يتورع عن التضحية باسراه لدى المقاومة ولن يثنيه حجم الخسائر في صفوف جيشه وتعطل عجلة اقتصاده . لان المردود والعائد يفوق مئات اضعاف الاستثمار . انه بهذا يحاكي  ما قامت به حاضنته وراعيته امريكا التي سهلت للقاعدة واشتركت معها في تدمير برجي التجارة في نيو يورك لتخلق الذريعة والمسوغ الاخلاقي والوطني لاحتلاا افغانستان  والاستيلاء على نفط حوض بحر قزوين ونفط الخليج والعراق.

قدم المحلل الاقتصادي الدكتور جون برايس Dr Johne Price في شهر ايار/ مايو ٢٠٠١ دراسة ربط فيها بين النفط والركود الاقتصادي العالمي Oil and Global Recessionالذي ورد في تقرير لجنة العلاقات الخارجية C.F.R Council of Foregen Relation وبين التقرير الذي اصدرته.مجموعة تطوير السياسة الوطنية للطاقة.N.E.P D.G  National Energy Policy Development Groupوركز عليهما وما قاله ماثيو سايمونز  Matthew Simmons من لجنة العلاقات الخارجية الذي حث المندوبين المشاركين في مؤتمر التكنولوجيا البحرية Offshore Technology لكي يعدوا انفسهم لعملية بمستوى الحرب العالمية الثانية لحل ازمات الطاقة واهمية الدور الذي تلعبه صناعة النفط والغاز وربط هذه التقارير وما حصل ببرجي التجارة. من اجل فهم صحيح لما قاله اورده هنا  باللغة الانجليزية

(( Simmons)) exhorted delegates to the recent offshore Technology Conference to prepare for a"World War 11" scale operation to meet forecast energy demand.Only an operation of this scale could solve the 'energy crisis' - 'crisis' being defined as ' when a problem or series of problems turn from being troublesome to extremely severe'( or as some would say, when a problem suddenly becomes terminal.

لقد منح الهجوم على برجي التجارة العالمية اللجوء الى (( الغاية تبرر الوسيلة)) واستخدمت امريكا القوة لضمان الهيمنة الامريكية على العالم حسب الخطة (( اعادة بناء الدفاعات الامريكية مشروع القرن الامريكي ٢٠٠٠)) يعكس بان ادارة بوش بصدد اتخاذ اجراء عسكري للسيطرة على منطقة الخليج سواء كان صدام حسين في السلطة ام لم يكن.ان تجاوز الدوافع السياسية خلف ستارة من الدخان هي ان الولايات المتحدة والمملكة المتخدة بدأتا تَنفَذان من تامين امدادات الطاقة الهيدروكربونية، لان الطلب يزداد والعرض يتناقص بشكل مستمر منذ الستينات.

كتب مايكل ميشر Michel Meacher MP .U.K .Environment Minister)) 1997-2003 في الغارديان السادس من ايلول/ سبتمبر  ٢٠٠٣ مقالة بعنوان     The War   on Terrorism is Bogus

الحرب على الارهابزيف وكذب.

* كيف تقدر حكومة الولايات المتحدة ان تسهل هذه الهجمات وتشن عدوانا على العالم؟ ما الذي يجعل امريكا ان تفعل مثل هذا؟ بقيت اقول على مدى عامين ان اعمق واظلم واكتم اسرار الحدي عشر من ايلول كذبة مدفونة  في السجلات الامريكية  الخاصة بمجموعة تطوير سياسة الطاقة ((N.E.P.D.G ))

والتي بدأت عملها منذ ان تولى بوش ممارسة مهامه في البيت الابيض.

في شهر ايار / مايو ٢٠٠١ قبل اقل من اربعة اشهر على اختفاء برجي التجارة العالميةعن الوجود  وكجزء من الدليل على ذلك ، يكمن في السلوك العنيف واللا شرعي والصارخ الذي قامت به  القوة الحربية بقيادة نائب الرئيس ديك تشيني التي رفضت ان تقدم سجلاتها لاخضاعها للتدقيق والتمحيص العام وذلك في خرق صارخ للقانون الدستوري للولايات المتحدة.ان في هذا اشارة الى ان هناك شيئا يجب اخفاؤه.

Michael C.Ruppert

خلاصة القول ان حرب الكيان لن تتوقف وان ما يتم تداوله عن حل الدولتين سيبقى وهما لا يصرف ما لم يصدر بحقه قرار بالاجماع من مجلس الامن الدولي وتتعهد دوله بوضع جدول للتنفيذ وهذا ابعد من حلم ابليس بالجنة

م/ زياد ابو الرجا

المصدر: موقع إضاءات الإخباري