كتب الأستاذ حليم خاتون:
بعد اجتياح هتلر وهزيمة فرنسا في الحرب العالمية الثانية انقسم البلد إلى ثلاث فئات:
١- المستسلمون، وهم معظم أركان النظام القائم الذي كان على رأسهم قائد الجيوش الفرنسية الماريشال بيتان؛
شكّل بيتان حكومة تابعة للاحتلال النازي وتأتمر بأوامره؛
اتخذت هذه الحكومة من فيشي مقرا لها لذلك عُرفت بحكومة فيشي...
٢- المقاومون الذين رفضوا الاحتلال، وكانوا في الأغلبية العظمى من الشيوعيين واليساريين وبعض الليبراليين والضباط الوطنيين الذين عندهم كرامة وشرف...
٣- السلبيين (les passif) الذين يعيشون كالغنم...
همهم الأكل والشرب والسكن والنوم كما الحيوانات في المراعي والاسطبلات، (أكل ومرعى، وقلة صنعة.. مع قلة شرف وكرامة)...
في البلد "السايب" لبنان، حكم البلد منذ إعلان "لبنان الكبير" نظام منبطح لم يعرف يوما معنى السيادة والشرف والكرامة ( نظام يقول: "يا عمي، لكل من ينام مع إمو"... إلى أن أرسل الله له مقاومين صبغوا هذا البلد بشيء من كرامة...
بعيدا عن تفاصيل التعتير الذي صبغ هذا النظام، وتركة التعتير التي أُبتليَت بها هذه المقاومة طيلة عقدين ونصف من شيء من كرامة، وشيء من شرف؛ قامت حرب كونية شارك فيها إلى جانب إسرائيل حلف شيطاني من أميركا وبريطانيا وألمانيا وحتى بعض كلاب العرب وتركيا ضد هذه المقاومة التي صمدت رغم كل العلات المتحكمة بعقلها واستطاعت منع الأعداء من اي نصر حاسم في الميدان إلى أن قبلت بوقف لإطلاق النار، فاستطاع الأميركي والاسرائيلي أخذ كل ما يريدان سلما بعد عجزهما عن أخذه بالحرب...
نتيجة وقف النار الغبي في ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٤ الذي يصفه البعض بالخداع، والحرب ما هي إلا خداع، إنقسم لبنان إلى ثلاث فئات هو أيضا:
١- المستسلمون الذين يتشكلون من اهل النظام الحاكم نفسه، سواء من داخل السلطات الحاكمة أو من حولها، تحت إمرة قائد الجيش الجنرال جوزيف عون الذي ما لبث أن صار رئيسا للجمهورية تحت الاحتلال مع حكومة أقل ما يقال فيها أنها أسوأ بأشواط من كل تاريخ حكومة فيشي الفرنسية برئاسة أحد أهم خريجي مدرسة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية للعمالة والخيانة، المسمى نواف سلام مع خاصية مذهبية لبنانية تجعل من معظم الطوائف والمذاهب تجمعات عملاء للاحتلال الأميركي، ومن ورائه لإسرائيل بحكم العداء الأولي والأساسي للشيعة...
٢- المقاومة المؤلفة بشكل عام من أغلبية شيعية مع قلة قلياة جدا من بعض المنتمين إلى الطوائف والمذاهب الأخرى؛ لكنها مقاومة من نوع فريد جدا يقوم على أكثر من أساس متخلخل بسبب الفساد المستشري في كامل زوايا هذا البلد وانخراط المقاومة في هذا النظام الفاسد والمنبطح والعميل...
حكمت هذه المذهبية والطائفية البغيضة عداء الكثيرين لهذه المقاومة، فمارسوا كل أنواع الشيطنة بحقها وحق قياداتها...
٣- بقية كبيرة جدا من كل الطوائف بما في ذلك كمية لا بأس بها من شيعة أميركا والغرب والخليج مع ما تبقى من شيوعيين ويساريين والكثيرين غيرهم الذين "يمشون جانب الحائط ويطلبون من الله السترة؛ يعني "أكل ومرعى، وقلة صنعة" وقلة شرف وكرامة...
للوهلة الأولى، قد يبدو أن هناك تطابقا او تماثلا بين فرنسا ولبنان!
لكن الحقيقة هي أن الوضع في فرنسا كان مأساويا، بينما يقترب في لبنان إلى الكاريكاتورية المأساوية والمسخرة الكاملة... شيء ما من الكوميديا السوداء؛ بل مسخرة من مسخرات الدهر...
فرنسا دولة...
أما لبنان فقد حوله النظام القائم منذ إعلان "دولة لبنان الكبير" إلى مسخ على صورة دولة...
لا يختلف لبنان كثيرا عن "أشقائه" المعفنين العرب من أعضاء الجامعة العربية التي وُلدت بريطانية وصارت أميركية تحت الهيمنة الإسرائيلية...
كما في كل بلد عربي، يحكم بوط (رينجر) أميركي يدوس على رقاب الحكام والشعوب على حد سواء، كذلك الأمر في لبنان...
بعد أن كنّا نعتقد أن مسخرة "العُدَيد" في قطر، أو تجمع القواعد الأميركية في السعودية والإمارات والبحرين والكويت وغيرها...
بعد أن كنا نُعيب على العراق قاعدة عين الأسد أو غيرها؛
بعد أن انتشرت قواعد الاميركيين في سوريا من التنف والحسكة لتصل إلى قلب دمشق مع تكفّل الإسرائيلي بدرعا وكل الجنوب السوري...
بعد أن كنّا نعتقد أن القواعد الأميركية والبريطانية والفرنسية والألمانية في الأردن سوف تكون القوس الذي سوف يحمي إسرائيل؛
تفاجأنا بأن الاميركيين قد تسللوا إلى لبنان عبر رئاسة الجمهورية، عبر الحكومة، عبر الأحزاب الفاشية، عبر المصرف المركزي... بل حتى عبر الكثيرين من الناس؛ وها نحن نكتشف أن قيادة عمليات الدفاع عن إسرائيل سوف تنطلق من غرفتين للعمليات في المنطقة:
واحدة في قاعدة موفق السلطي في الأردن،
وواحدة في قاعدة حامات الجوية في لبنان...
وكما كانت غرفة عمليات الموك أثناء حرب إسقاط الدولة السورية حيث كان يجتمع ضباط أميركا وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا واسرائيل وحيث كان يقوم ضباط تركيا والخليج والأردن بتسهيل عمليات التخريب عبر السلفيين والجناح العميل من الإخوان المسلمين، سوف تلعب قاعدة حامات الجوية نفس الدور لحماية اسرائيل بعد ثبوت وجود الموساد داخل القاعدة...
نفس التآمر الذي أسقط الدولة السورية في أيدي وحوش القرون الوسطى، ونفس التجمع الذي قام بألفي غارة على حزب الله لمنع تنفيذ تهديد الشهيد السيد حسن نصرالله بتدمير نصف إسرائيل في نصف ساعة؛ يجتمع كل هؤلاء في غرفة حامات الجوية من جديد لتنفيذ ضربة جوية كبيرة جدا على إيران خلال يوم واحد، وفي نفس الوقت لتشكيل سد حماية حول اسرائيل، ومنع إيران ومحور المقاومة من تدمير هذا الكيان...
كل الخزعبلات التي تتحدث عن مفاوضات إيجابية في يوم، وسلبية في يوم آخر، ليست سوى مسرحية خداع جديدة قد تنطلي على الأغبياء وهم كثر داخل محور المقاومة...
الحشد الذي يكلف يوميا ثلاثمائة مليون دولار وحيث تم حصار إيران بحوالي ٥٠ إلى ٦٠ في المائة من القوات الجوية والقوات البحرية الأميركية مع وجود الطائرات البريطانية في قبرص واليونان ودياغو غارسيا والطائرات الفرنسية في الأردن والإمارات والسعودية والألمان في الأردن والبحر الأبيض المتوسط والانتشار الجديد في سوريا ولبنان؛
كل هذا يعني أن الوقت يضيق وإن إيران سوف تتلقى ضربة قوية جدا كما حصل مع حزب الله في لبنان لأنها كما حزب الله راهنت على مفاوضات كل هدف محور الشر الأميركي منها اكتمال الحشد الغربي العربي التركي لمهاجمة إيران...
آخر تجليات هذا الحشد تصريح تركيا بأنها سوف تدخل إلى الأراضي الإيرانية لمنع تدفق اللاجئين الإيرانيين إلى داخل تركيا بعد أول ضربة أميركية كبيرة...
هل تعي إيران معنى هذا التصريح، وحقيقة الموقف التركي!..
ألم يحن الوقت للتوقف عن الرهان على البلدان العربية بحجة انهم فهموا اخيرا أن الخطر يحدق بهم من إسرائيل، خاصة بعد تصريح السفير الأميركي هاكابي عن حق إسرائيل التوراتي في إسرائيل الكبرى الذي يطال نصف الخليج ومصر والعراق وتركيا وكل لبنان والأردن وسوريا!!؟...
هؤلاء العبيد لهم دور وأطماع حتى بإيران لذلك يشمل الحشد الأطلسي دول آسيا الوسطى من التركمان السُنّة والأذريين الشيعة والأوزبيك والكيرغيز...
كما تأخر حزب الله في استعمال صواريخ الردع خلال حرب الإسناد فدفع الأثمان الباهظة التي لا نزال ندفعها كل يوم مع كل بيت يُدَمّر وكل شهيد يسقط؛ سوف تدفع إيران أثمانا قد تؤدي الى سقوطها وتحولها الى دمية على شاكلة النظام في سوريا هذه الأيام، إذا لم تقم إما بعملية استباقية أو على الأقل بالرد المتزامن بضربات صاروخية تزيل الكيان الصهيوني وتقوم بتدمير كل الكيانات العربية والإسلامية المشاركة في الهجوم وبإعلان الجهاد المقدس ردا على مزاعم نتنياهو حول ضعف الهلال الشيعي واستعداده لمهاجمة الهلال السُنّي...
في العالم حوالي مئتان وخمسون مليون شيعي منهم حوالي ثمانين في المائة يعادون أميركا وإسرائيل بشكل أو بآخر؛
هناك حوالي اثنا عشر مليون فلسطيني حوالي ثمانين في المائة منهم يعرفون ان أميركا والغرب واسرائيل سوف يبيدونهم...
يجب استنفار هؤلاء لمهاجمة كل القواعد الأميركية والغربية أينما وجدت...
يجب ضرب كل المصالح الأميركية والغربية...
على اللبنانيين البدء بدك حامات وغيرها على الأراضي اللبنانية مع أول طلقة باتجاه إيران حتى لا يقال فيهم ما يقال في الأتراك لجهة قاعدة انجيرليك، أو الفلسطينيين في الأردن لجهة القواعد الأميركية والفرنسية والبريطانية والألمانية هناك...
لا تكونوا نعاجا تنتظر الذبح...
مقاومة الألف ميل تبدأ بالخطوة الأولى...
"قاوموا ولو بإشعال عود ثقاب" كما ردد جمال عبد الناصر...
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى، حتى يراق على جوانبه الدم...