المُلْهِمون هم القادرون على الهام الشعوب للنصر، لان الالهام يمنح الشعب الاحساس بهدف الانتماء الذي لا علاقة له بالخوافز الخارجية او المكاسب والفوائد المرجوة.هؤلاء قادرون على خلق الناس الفاعلين الذين يتصرفون بدافع الالهام وليس لانه تمت استمالتهم بل الهامهم الذي يحافظ على دينامية واستمرارية فعلهم وتحركهم.ولان المُلهَمين مستعدون لتحمل المشاق والمعاناة، وبذل الغالي والنفيس .القادة العظام المُلْهِمون لشعوبهم التي تتبعهم لانهم يريدون بمحض ارادتهم فعل ذلك وليس لانه يجب عليهم فعله.المُلْهِمون لشعوبهم يتحولون الى ايقونات انسانية عابرة للحدود والاعراق والديانات والحضارات واللغات، لذلك هم خالدون.
* عندما هيمنت الامبريالية على اقطار وشعوب في قارة اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية ومارست كل اشكال الاستغلال والاضطهاد والتمييز العنصري هبت الشعوب وانتفضت ضد مضطهديها ومستغليها عبر ثورات وطنية من اجل الاستقلال والتخلص من الظلم، نجح بعضها نظرا لوجود مُلْهِم وفشلت اخرى لاسباب وظروف موضوعية وذاتية،من ضمنها الافتقار الى المُلْهِمْ. الامثلة على النجاحات كثيرة اورد على سبيل المثال لا الحصر
١- سايمون بوليفار ( ١٧٨٣ - ١٨٣٠م) الشخصية الرمزية وايقونة امريكا الجنوبية التي يعتبرها الامريكيون الجنوبيون اسطورة من اساطير قارتهم الذين الْهَمَهُم لتحرير اجزاء كبيرة من القارة من الهيمنة الاسبانية واستحق بذلك لقب اللبرتادور ( El Libertador ) المحرر. تراس ما سمي سابقا كولومبيا الكبرى التي كانت تضم دول فنزويلا وكولومبيا والاكوادور.قاد سايمون بوليفار الفنزويلي معركة حققت استقلال فنزويلا وبوليفيا( التي سميت على اسمه )وكولومبيا والاكوادور وبيرو وبنما من الامبراطورية الاسبانية عام ١٨٢١م وسميت الثورة البوليفارية باسمه كان وما زال قائدا ملهما لشعوب القارة وتحول الى ايقونة انسانية.
٢- المهاتما غاندي ( ١٨٦٩ - ١٩٤٨م) الروح العظيمة وملهم شعوب شبه القارة الهندية.قاد النضال السلمي طويل الامد الذي يتلائم موضوعيا وذاتيا مع الجماهير المستضعفة والمهمشة والمظلومة .شكل المهاتما حزب ( المؤتمر الوطني الهندي)الذي قادته انتليجنسيا من كل الاعراق والطوائف التي الهمها المهاتما غاندي وصارت كتلة مُلْهِمَة للشعب الذي التف بمحض ارادته وتحول الى جمهور من المُلْهَمين يتصرف ويضحي طواعية حتى نالت الهند استقلالها .
٣- نلسون مانديلا ( ١٩١٨- ٢٠١٣) كان المهاتما غاندي المولود في جنوب افريقيا ملهمه وعرابه.شكل مانديلا حزب ( المؤتمر الوطني الافريقي) الذي الهم المواطنين الاصليين في جنوب افريقيا الذين عانوا من الاستغلال والاضطهاد ومصادرة اراضيهم والتمييز العنصري منذ ان وطات اقدام المستوطنين الهولندين ومن بعدهم الانجليز جنوب افريقيا.نجح المُلْهَمين في نضالهم السلمي ( ومُلْهِمُهُم في السجن) بانتزاع حريتهم وتم القضاء على نظام التمييز العنصري الابارتهايد البغيض.احتلت جنوب افريقيا الصدارة في التسامح الانساني واصبحت قوة اقتصادية عالمية وقائدة في الاتحاد الافريقي.صار نلسون مانديلا ايقونة انسانية عابرة للحدود الجغرافية والحواجز الدينية والعرقية.
٤- مارتن لوثر كينج الابن ( ١٩٢٩ -١٩٦٨م).لم يكن مارتن لوثر كينج الرجل الوحيد الذي عانى من التمييز العنصري بل كان هناك الكثير من المفوهين والكارزميين .لكن مارتن الذي ناضل من اجل الحقوق المدنية والمساواة عرف انه اذا كان ( لحركة الحقوق المدنية ) ان تنجح وان يكون هناك تغيير حقيقي ومستقر فان ذلك يتطلب منه ومن اقرب حلفائه بان الامر يحتاج اكثر من الكلمات المثيرة والخطب الفصحى.بل اراد ان يجمع الناس ويوحدهم حول (( الرؤيا الواحدة لتغيير البلاد).في تمام الساعة الحادية عشرة من صباح يوم ٢٨ اب / اغسطس ١٩٦٣م سيرسل هؤلاء المتحدين حول الرؤيا رسالة لواشنطن بانه قد حان الوقت لامريكا ان تتجه في مسار جديد .لم يرسل منظمو حركة الحقوق المدنية الاف الدعوات ، ولم يكن حينذاك كمبيوترات ولا هواتف نقالة للاتفاق على تاريخ وموعد .لكن الناس حضروا وواصلوا الحضور حتى تجمع ربع مليون انسان من كل انحاء البلاد في العاصمة واشنطن في الوقت المحدد ليستمعوا الى الكلمات التي القاها الرجل المُلْهِمْ وخلدها التاريخ.ذلك الرجل الذي سيقود الحركة التي ستغير امريكا الى الابد(( لدي حلم)) (( I have a dream )).
القدرة على جذب اكبر عدد من الناس من كل انحاء البلاد ليتواجدوا مع بعضهم في نفس اليوم ونفس الوقت كان شيئا مميزا.على الرغم من ان الاخرين عرفوا ما يجب تغييره في امريكا من اجل الحقوق المدنية لكن مارتن لوثر كينج الذي كان قادرا على الهام الناس والبلاد ليتصرفوا لاحداث التغيير لا لصالح اقلية ولكن لمصلحة كل فرد.وبدا مارتن لوثر كينج بالسؤال ( لماذا ) (Why).
٥- لدينا التجربة الفيتنامية التي قادها المُلْهِمْ هوشي منه الذي رفع شعارا بسيطا الهم الشعب الفيتنامي (( هدفنا طرد المحتل الاجنبي والاستقلال وتوحيد شقي الوطن وبعد ذلك يقرر الشعب شكل النظام الذي يريده))
٦- هناك شخصيات تركت اثرا عظيما مثل جيفارا الذي تحول الى ايقونة عالمية وقدوة للمناضلين.وهناك الام تيريزافي الهند التي تحولت الى ايقونة وقديسة والقائمة تطول.
انتزعت القوى الاستعمارية الولايات العثمانية الافريقية وصارت تحت نير الاستعمار الاوروبي ( البريطاني، الفرنسي، الاسباني والايطالي )وبعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الاولى وقع المشرق العربي تحت السيطرة الاستعمارية البريطانية والفرنسية ولاحقا الكيان الصهيوني/ القاعدة المتقدمة على ارض فلسطين.شهد الوطن العربي انتفاضات وثورات قادها مناضلون تقليديون ولم يكونوا مبدعين او ملهمين من عبد الكريم الخطابي وعبد القادر الجزائري وعمر المختار واحمد عرابي.لكنهم فشلوا لانهم خاطبوا الجماهير بالاوامر والنواهي والواجبات الدينية والوطنية اي باستخدام الحوافز الخارجية والموروث.لم يكن لديهم خطابا مُلْهِما يُلْهِم الشعب على التحرك والتصرف لانجاز هدف التغيير والارادة الذاتية التي تدفعه طوعا لتحمل المعاناة والمشاق وبذل الغالي والنفيس.
حاول جمال عبد الناصر ان يتبنى مشروع الوحدة العربية والنهضة المصرية، كان شخصية كارزمية استحوذت على قلوب جماهير عريضة في الوطن العربي ، لكنه فشل لانه لم يؤطر الجماهير في حزب منظم وبرنامج عمل كي تتصرف الجماهير لتحقيق الاهداف النبيلة لهذا المشروع.بقيت الناصرية هبات جماهيرية سرعان ما تهدا.هذا على المستوى الذاتي، اما على المستوى الموضوعي
اصطدم المشروع الناصري بمقاومة ( الحلف الثلاثي ) الاستعمار، الكيان الصهيوني والرجعيات العربية.
كل الانبياء والمرسلين ينتمون للمشرق العربي، جزيرة العرب،بلاد الشام وارض الرفدين العراق.كان محمد بن عبد الله اخر الانبياء والمرسلين.كان هدفه الدنيوي توحيد القبائل العربية المشتتة والمتناحرة في دولة تجمعهم وتوحدهم فكان الملهم العظيم للعرب الذين لبوا واستجابوا لدعوته، وتصرفوا بالهامه وحققوا في فترة قياسية اعظم دولة في ذلك العصر.
بعد مضي اكثر من قرن على هزيمة الدولة العثمانية وسيطرة الاستعمار البريطاني والفرنسي وقيام الكيان/ القاعدة على ارض فلسطين ناضلنا وما زلنا نناضل وحققنا انتصارات في معارك تكتيكية لكننا ما زلنا بعيدين عن انجاز الهدف الاستراتيجي الذي يتطلب حربا شاملة لها شروطها وادواتها لاستأصال الغدة السرطانية والقاعدة المتقدمة على ارض فلسطين.ما زلنا منقسمين ومشتتين طائفيا وعرقيا وقطريا.لقد افرزت المسيرة النضالية قادة مُلْهِمين على مستوى المذاهب والاحزاب كالشهيد حسن نصر الله ورفاقه والقائد محمد الضيف والسنوار ورفاقهما والسيد الحوثي في اليمن الا ان الاقليم ما زال عاقرا عن استيلاد قائد مُلْهِم عابر للحدود والمذاهب والاعراق.اما الجواب على السؤال (( لماذا )) فهذا متروك لذوي الاختصاص في علم الاجتماع والفلاسفة ونخب المثقفين والانتليجنسيا بشكل عاام.
نريد مُلْهِما وليس مُلْهَما يقودنا الى الاستقلال والوحدة والنماء الاقتصادي والاجتماعي.
مهندس/ زياد ابو الرجا.


