بقلم: محمد سعد عبد اللطيف
في قريتنا، كما في كثير من القرى، تتكرر الجرائم كل يوم: سفك للدماء، انتهاكات أخلاقية، سرقات، فساد مستشرٍ، ومع ذلك، يلتزم الجميع الصمت. وكأنهم قد عقدوا اتفاقًا غير معلن على أن يكونوا مجرد متفرجين. ليس لأنهم لا يرون، بل لأنهم يفضلون الاختباء خلف جدران الصمت، خشية المواجهة أو حفاظًا على مصالحهم.
لم يعد الأمر مجرد خوف أو حذر، بل تحول إلى ثقافة متجذرة. كل شخص يكتفي بلعب دور "الفيلسوف الافتراضي" على شبكات التواصل الاجتماعي، يكتب عن العدل والشرف والمقاومة، لكنه في الواقع، حين تتطلب الأمور موقفًا حقيقيًا، يختفي كما يختفي الجبناء في اللحظات الحاسمة. هؤلاء ليسوا فقط غير مؤثرين، بل هم جزء من المشكلة، لأنهم يساهمون في خلق وهم التغيير، بينما يبقى الواقع على حاله.
(حين يكون الصمت تواطؤًا)
الصمت ليس حيادًا، بل هو مشاركة في الجريمة، ولو بطريقة غير مباشرة. من يرفض أن يشهد بالحق، ومن يغض الطرف عن الظلم، ومن يدفن رأسه في الرمال خوفًا أو تملقًا، ليس أقل جرمًا ممن يرتكب الفعل بيديه.
كم من فتاةٍ تم التشهير بها ظلمًا لأن الجميع فضلوا الصمت على مواجهة الكذب...؟
كم من قاتلٍ ومغتصبٍ وسارقٍ ظل حُرًا لأن أحدًا لم يجرؤ على فضحه....؟
وكم من بريءٍ دفع الثمن لأن أحدًا لم يقف إلى جانبه....؟
لماذا تحول الناس إلى أشباح....؟
1. الخوف من الانتقام
يعتقد البعض أن التصدي للباطل سيجعلهم في مرمى الأذى، فيختارون السلامة الشخصية على حساب الحق.
2. المصالح الضيقة
البعض يفضل التستر على الفساد لأنه يستفيد منه بشكلٍ ما، حتى لو كان ذلك على حساب المجتمع.
3. الازدواجية الأخلاقية
يتحدث الناس عن الفضيلة، لكنهم يعيشون نقيضها، فتجد الشخص الذي ينادي بالقيم يتحول إلى صامتٍ متواطئ حين يمس الأمر دائرته.
المواجهة ليست مستحيلة
التغيير لا يبدأ بشعاراتٍ جوفاء أو منشوراتٍ عاطفية، بل بمواقف حقيقية. أن تقف في وجه الظلم حتى لو كنت وحدك، أن تفضح الفاسدين بدل أن تبرر لهم، أن تنصر المظلوم حتى لو لم تكن تعرفه.
الصمت لم يكن يومًا حلًا، بل كان دائمًا جزءًا من المشكلة. لذا، السؤال الحقيقي هو: هل سنظل شهود زور في مسرحية الجرائم اليومية، أم سنختار أن نكون صوتًا يكسر هذا الصمت المخزي
..؟
محمد سعد عبد اللطيف ،كاتب وباحث مصري ،،



