شرق بعلبك… بين مسرح الإنزال واحتمالات الخداع الاستراتيجي..؟!
مقالات
شرق بعلبك… بين مسرح الإنزال واحتمالات الخداع الاستراتيجي..؟!
عباس المعلم
14 آذار 2026 , 07:50 ص

بقلم ( عباس المعلم )

في الحروب المركّبة، لا يكون الصوت الأعلى دائماً هو الحقيقة الكاملة، بل غالباً ما يكون جزءاً من مسرح عمليات أوسع تُدار فيه الوقائع الميدانية بعقل استخباراتي بارد. فالقصف المكثف، والإنزالات المعلنة، والتسريبات المقصودة، كلها أدوات ضمن منظومة إدارة الإدراك قبل إدارة النيران. ومن هذا المنظور، فإن التركيز اللافت لجيش العدو على شرق بعلبك، ولا سيما منطقة وجرود النبي شيت، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد فعل ناري تقليدي، بل ينبغي تفكيكه ضمن سياق أوسع من هندسة العمليات المركّبة التي تمزج بين الضغط العسكري والخداع الاستخباراتي.

إن اعتماد العدو على أحزمة نارية مكثفة في نطاق جغرافي محدد شرق بعلبك، وبصورة خاصة في جرود النبي شيت ومحيطها الواسع، يؤشر في ظاهره إلى محاولة تحويل هذه البقعة إلى مسرح عمليات محتمل لإنزالات خاصة. وقد شهدت المنطقة بالفعل عمليتي إنزال معلنتين، فيما تبقى احتمالية تنفيذ إنزالات أخرى في الجرود المتاخمة أمراً غير محسوم، نظراً لطبيعة التضاريس المفتوحة التي تمنح وحدات العمليات الخاصة هامش حركة واسعاً.

القراءة الأولية لهذا النمط من الاستهداف توحي بأن العدو قد يميل إلى تكرار هذه العمليات، خصوصاً في ظل مستوى العنف الناري الذي اعتمده في هذه الجغرافيا والذي لم يتوقف أو يتراجع. غير أن التفسير الظاهري لا يكفي لفهم طبيعة الهدف الحقيقي، لأن العمليات الخاصة في العقيدة العسكرية الإسرائيلية غالباً ما تُستخدم كأداة متعددة الوظائف، تجمع بين الهدف المباشر والتأثيرات الجانبية المقصودة.

الهدف الذي أعلنه العدو خلال الإنزال الأول في النبي شيت، والمتمثل بمحاولة استعادة رفات الطيار الإسرائيلي رون أراد الذي أُسر عام 1986 في لبنان، يفتقر إلى الثبات العملياتي كدافع مركزي لهذا النوع من التحركات. فالمعطيات التاريخية المتعلقة بقضية أراد، وتعقيدات مسارها منذ ثمانينيات القرن الماضي، تجعل احتمال وجود خيط ميداني حاسم في هذه البقعة الجغرافية تحديداً أمراً ضعيف الترجيح.

وبالتالي، فإن تحويل هذا الهدف إلى عنوان إعلامي للعملية قد يكون جزءاً من هندسة الرواية العملياتية التي يلجأ إليها العدو لتغطية أهداف أخرى أكثر حساسية أو تعقيداً، خصوصاً في منطقة مثل البقاع الشرقي التي تتشابك جغرافيتها مع العمق السوري وتشكل عقدة لوجستية وأمنية في آن واحد.

الفرضية الثانية الأكثر ترجيحاً تتصل بمحاولة دفع المقاومة إلى حالة استنفار واسع على امتداد هذا القطاع الجغرافي. فتركيز النيران وإظهار نية الإنزال يمكن أن يدفع أي قوة عسكرية إلى رفع جاهزيتها القصوى، وإعادة نشر وحداتها، وتكثيف المراقبة والاستطلاع في مساحة واسعة.

هذه الحالة من الاستنفار، إذا استمرت لفترة زمنية طويلة، تتحول بحد ذاتها إلى أداة استنزاف: استنزاف للجهد البشري واللوجستي، وإرهاق للمنظومات الميدانية، وكشف محتمل لأنماط الانتشار والتحرك. وهنا تظهر المرحلة الثانية من الخطة المحتملة، حيث يصبح الانتشار الدفاعي الكثيف هدفاً مغرياً للغارات الجوية الدقيقة التي يمكن أن تستهدف تجمعات أو نقاط مراقبة جرى دفعها إلى الظهور بفعل ضغط العمليات الخاصة.

غير أن الفرضية الأكثر حساسية تتعلق باحتمال أن يكون هذا التركيز الناري والعملياتي في شرق بعلبك جزءاً من عملية خداع أوسع. فالعقيدة العملياتية الإسرائيلية تعطي للخداع التكتيكي والاستراتيجي موقعاً مركزياً في إدارة المعركة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمواجهة قوة تمتلك خبرة طويلة في العمل غير المتماثل.

في هذا السياق، قد يكون تكثيف الاستهداف والإنزالات في منطقة محددة بمثابة “بؤرة جذب” تُستخدم لإشغال انتباه المقاومة وتركيز قدراتها الاستخباراتية والعملياتية في نطاق جغرافي بعينه. وفي الوقت نفسه، قد يجري التحضير لعمليات إنزال أخرى في مناطق مختلفة تماماً، ربما أبعد وأعمق، حيث تكون درجة الجاهزية أقل نسبياً بسبب تركيز الاهتمام في شرق بعلبك.

مثل هذا السيناريو ينسجم مع مبدأ عسكري معروف يقوم على خلق مسرح عمليات ظاهر يبتلع الاهتمام والموارد، فيما يجري تنفيذ الفعل الحاسم في مسرح آخر أقل ضجيجاً.

إن أخطر ما في هذا المشهد ليس ما يفعله العدو ظاهراً، بل ما قد يراكمه في الظل من طبقات الخداع العملياتي. فتكثيف النيران، وإظهار نية الإنزال، وإحياء ملفات قديمة مثل قضية رون أراد، كلها قد تكون أجزاء من لوحة أكبر يجري تركيبها بصبر استخباراتي طويل.

التاريخ العسكري لهذا العدو يُظهر بوضوح أن العمليات الخاصة ليست دائماً غاية بحد ذاتها، بل كثيراً ما تكون أداة لإدارة الإدراك الميداني وإعادة تشكيل أولويات الخصم. ومن هنا، فإن أخطر الاحتمالات يتمثل في أن تكون هذه التحركات مجرد مرحلة تمهيدية ضمن خطة خداع متدرجة تهدف إلى تضليل القراءة العملياتية للمقاومة، واستدراجها إلى مسارات استنزاف أو تشتيت، بينما يجري في الخلفية إعداد مسار مختلف تماماً للفعل الحاسم.

وفي الحروب الاستخباراتية، غالباً ما يكون التراكم الصامت لعمليات الخداع أخطر من الضربة نفسها، لأن الضربة يمكن امتصاصها، أما الخداع المتراكم فقد يعيد تشكيل ميدان المعركة قبل أن يبدأ.

عباس المعلم - كاتب سياسي