إذا أخذنا في الاعتبار العوامل و الظروف عند تقييم الوضع في تركيا بعد اعتقال رئيس بلدية اسطنبول المعارض، أكرم إمام أوغلو المتهم بالفساد و مساعدة حزب العمال الكردستاني الإرهابي المحظور و المعلن ، قد يرى البعض في ذلك معركة ضد الفساد ، بينما يرى آخرون أنها محاولة للقضاء على الخصم الرئيسي لأردوغان من حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي في هذا الصدد تجري الاحتجاجات في البلاد و يتوقع بعض الخبراء " رحيل أردوغان الوشيك."في مثل هذه الحالة ، فإن أي تحرك من قبل لاعب خارجي اتجاه تركيا في الدعم أو الإدانة يحمل الموقف معنى سياسيا حقيقيا و إذا تعمقنا في "التفاصيل الدقيقة" للسياسة الداخلية و الخارجية التركية قبل أيام قليلة من اعتقال "إمام أوغلو" ، تم اتصال أردوغان بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب تلى ذلك بيان رسمي تركي نشرته العديد من وسائل الإعلام التركية يقول : ان الطرفين ناقشا العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية و العالمية ، و دعا إلى "تكثيف المشاورات " الغريب أن الولايات المتحدة لم تصرح عن الاتصال بين الرئيسين إطلاقاً ،
فاعتبرت المعارضة التركية مثل العديد من الخبراء الاوروبيين هذا التصرف من قبل الولايات المتحدة يدل على "أزمة في العلاقات بين واشنطن و أنقرة." ثم جاء موقف ممثل وزارة الخارجية الأمريكي تامي بروس: " لن نعلق على تطورات تجري في بلد آخر" و غالبية دول الاتحاد الأوروبي لا تدعم أردوغان و تلمح إلى التعاون مع المعارضة العلمانية.
اما "موسكو" هي الوحيدة تصرفت بشكل مختلف على لسان المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف: "لدى فلاديمير بوتين دعوة قائمة لزيارة تركيا ، لكن لم يتم تحديد موعد بعد للزيارة و من المرجح أن تتم الزيارة بعد أن تهدأ الاضطرابات و الاحتجاجات في البلاد و عطلة احتفالية النصر على النازية في شهر إيار و هو رد الفعل الإيجابي الوحيد من الخارج على الأحداث في تركيا حتى الآن.
أما الممثل الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشرق الأوسط "ستيفن ويتكوف" و ردا على سؤال من الصحفي "تاكر كارلسون" حول الاوضاع في تركيا ، وصف محادثة أردوغان الهاتفية مع ترامب بأنها "مثيرة للإعجاب " ، مشيرا إلى أن صمت السلطات و وسائل الإعلام حول هذا الأمر كان بسبب توقعهم أن يقوم توماس باراك مرشح ترامب لمنصب السفير في أنقرة "بعمل مميز"
الاحداث الحالية كان يجب أن تبدأ في خريف عام 2024 ، عندما خسر حزب العدالة و التنمية / أردوغان الانتخابات البلدية لأول مرة منذ 20 عاما و فقد السيطرة على أكبر المدن ، اسطنبول و أنقرة وتفوز بها المعارضة، احتفظ رؤساء البلديات المعارضون بمناصبهم في أنقرة ، اسطنبول و إزمير. عندما فاز " أكرم إمام أوغلو" في اسطنبول بدأ الكثيرون يعتبره " الرئيس الجديد لتركيا .
في ربيع عام 2024 أثار أردوغان مسألة الحاجة إلى تحديث القانون الأساسي للبلاد و الذي كان ساريا منذ عام 1982. تقرر إعداد تعديلات جديدة على دستور عام 1982 ، الذي تم تبنيه بعد الانقلاب العسكري و بحلول أكتوبر 2025 و في هذا الصدد ، من المهم توضيح أن التعديلات السابقة على دستور جمهورية تركيا تمت في عام 2017 غير حزب العدالة و التنمية الحاكم شكل الحكم إلى رئاسي في القانون الأساسي للبلاد.
هذه القضية يمكن حلها من خلال استفتاء ، لكن الانتخابات البلدية أظهرت أن حزب العدالة و التنمية سيخسرها بالتأكيد
و ما يحدث في تركيا اليوم ليس حدثا عاديا يتعلق "بمكافحة الفساد"و إلخ ، كما يحاول أردوغان تقديم الامر ببساطة هي عملية إزالة منافس خطير له في الوقت نفسه لا تزال مسألة إقرار التعديلات على الدستور كي يتسنى لإردوغان الترشح للمرة الثلاثة و ما يسعى إليه حاليا اردوغان .
تركيا تصحى و تنام على الاحتجاجات على الرغم من حقيقة رغم أن السلطات مددت الحظر المفروض على التجمعات و التظاهر بينما الاعتقالات جارية كما يواصل إمام أوغلو نفي جميع التهم الموجهة إليه ، و هو دليل أن الاحتجاجات تتجاوز بالفعل مصير رئيس بلدية اسطنبول المعتقل.
وفقا لدراسة أجرتها وكالة فرانس برس، أصبحت المظاهرات أكثر تواترا في تركيا في الأيام الأخيرة في أكثر من ثلثي المقاطعات الـ 81 حتى في معاقل حزب العدالة و التنمية الحاكم ، مثل قونية (في الوسط) و مدينة "ترابزون " على ساحل البحر الأسود ، هذه الموجة من المظاهرات لم يسبق لها مثيل منذ الاحتجاجات الجماهيرية في حديقة "جيزي" في اسطنبول في عام 2013 و التي امتدت تدريجيا إلى جميع أنحاء البلاد تقريبا.
وفقا للخبراء فان حكومة اردوغان فشلت ، كما كان سابقا في تفرقة المعارضة و التي " تشكل اليوم الأغلبية." ثم اهم و اصعب ما يواجهه أردوغان هو التضخم الجامح ، الذي قفز إلى ما يقرب من 70 % في الشهر الجاري و لكن يعتمد على النجاحات في السياسة الخارجية و في المقام الأول في الاتجاه السوري و من الصعب القول كيف سيتصرف أردوغان و هو سياسي متمرس يعرف كيف يناور حتى الآن و تمكن مرارا و تكرارا من التغلب على المعارضة في المنعطفات الحادة الخطيرة التي هددت سلطته ، على الرغم من اعترافه بأن حزب العدالة و التنمية الحاكم فشل في تحقيق النتائج المرجوة في السياسة الاقتصادية و الخارجية لكن "لعبة الشطرنج" لم تنتهي بعد و لا يزال البرلمان الآن في أيدي الغالبية من حزب العدالة و التنمية و حلفائه القوميون من حزب الحركة القومية/بهجلي.
البلديات فقط هي تحت سيطرة المعارضة التي بين يديها ورقة الخدمات الاجتماعية للناس و هي ورقة مهمة الغاية في كسب الراي العام في المدن الرئيسية ، اما أردوغان يملك موارد إدارية ضخمة تحت تصرفه في هذا الصدد تعتقد صحيفة واشنطن بوست الأمريكية أن " النظام السياسي التركي يحتفظ بإمكانية ، إذا لزم الأمر ، إعادة بناء نفسه بسرعة في غضون بضعة أشهر."
لكن الأحداث قد تتطور بشكل مختلف إذا كانت هناك قرار غربي يقلب الموازين ، اضف إلى هذا كله ما صرح وزير الخارجية السابق و رئيس وزراء تركيا السابق و الآن رئيس مؤسس حزب "المستقبل" بعد انشقاقه عن حزب العدالة أحمد داود أوغلو أن الرئيس التركي كان تحت سيطرة بعض الكرادلة الرماديين في "الدولة العميقة" (ديرين دولت)، لم يكن حرا تماما في أفعاله كان مثقلا بـ " واجبات تجاه دوائر مؤثرة غير معروفة"." كما ان داود أوغلو يسمي " الدولة العميقة " بقايا القوات التي نفذت" انقلاب في 28 شباط ال1997و يؤكد لم يكن على الجيش استخدام القوة كان يكفي أن يُسّير عدة دبابات في إحدى مناطق أنقرة." كي يتم الإطاحة بالحاكم و ذكر أن أردوغان "سيتم الإطاحة به قريبا.".
هناك عوامل أخرى ذات صلة بعد تصريح نجل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ، "يائير" و ردا على دعوات أردوغان لإقامة دولة فلسطينية ، ذكره بحق وجود كيان اسمه " كردستان المستقلة ."و هي النقطة الذي يظهر تطابق بالرأي بين "يائير مع داود أوغلو" حول المستقبل المحتمل للجمهورية التركية و افتراض أن خريطة الشرق الأوسط و التغييرات التاريخية آتية لا محالة قد ترعى ما يسمى الحزام الكردي في شمال سوريا و العراق و في تركيا نفسها يشير هذا إلى أن المعارضة التركية قد تستعد لمحاربة أردوغان على المستوى الجيوسياسبي خلال لعب "الورقة" الكردية و قد تكون مثل هذه "اللعبة" مدعومة علانية أو ضمنياً من قبل إسرائيل و الولايات المتحدة.
ربما في هذه المرحلة تبذل محاولة لبدء عمليات زعزعة الاستقرار الجيوسياسي في تركيا و ربطها بالسياق الجاري للتحول في الشرق الأوسط بأكمله و ليس من قبيل المصادفة أن بعض الخبراء بدأوا اليوم في مقارنة من يجري في تركيا بسوريا قبل الأزمة اما تل ابيب ليست بعيدة الداخل التركي ، أما بالنسبة لروسيا لاشك إن تغيير السلطة في تركيا أمر غير مرغوب فيه بالنسبة لها فهي "دولة محور" تمتلك قدرات سياسية و اقتصادية و عسكرية و غيرها و أي تغيير كبير في التحالفات أو الشراكات الداخلية يمكن أن يكون له عواقب كبيرة على أمن و ميزان القوى في الشرق الأوسط و الوضع في السياسة العالمية.
لكن تركيا بلد تحولات سياسية و المعركة خطيرة للغاية في الإقليم و الداخل و ما زرعت في سوريا و المنطقة على مدة عقد و اكثر قد تصل إليه في المستقبل المتوسط.


