بؤس التفكير، والتفكير البائس
مقالات
بؤس التفكير، والتفكير البائس
حليم خاتون
25 تشرين الثاني 2025 , 17:42 م

كتب الأستاذ حليم خاتون:

عندما غضب الدكتور وديع حداد، جعل أميركا والغرب يقفان على رجل ونصف في أوائل السبعينيات من القرن الماضي...

عندما غضب علي شعبان، اقتحم بنك أوف أميركا في بيروت التي كانت عاصمة الشرق الأوسط، وأصاب أعمق أعماق روح الامبريالية التي استخدمت أحد ضباط الأمن في لبنان لإعدام علي بدم بارد مقابل مركز ورتبة في نظام "عصر العبيد والأمريكان"...

عندما غضب علي الغضبان اهتز نظام التبعية في لبنان مع اسم علا من جديد للمنظمة الشيوعية العربية...

أمس غضب محمود قماطي... لكن همسة وصلت إلى أذنه أن يتوقف لأن المصيبة أعظم بكثير مما يتصور...

عشنا سنة كاملة نتعرض للاستنزاف ونتحمل ما لا يُحتمل من القريب والبعيد معا على اساس أن الترميم جارِِ، وأن استعادة القدرات جارية... فإذا بأميركا تنسف في عملية واحدة كل هذا الكلام وتثبت أن الخرق داخل حزب الله ليس محصورا بالشق التكنولوجي فقط، بل هو ليس حتى خرق بشري عادي فحسب... هو خرق مجموعات كاملة قد لا يعرف بعضها البعض الآخر؛ لكنها مربوطة بالكامل بالوحدة ٨٢٠٠ التي تجمع كل هذه المعلومات وتقوم بعمليات نقطوية لا تصل إلى الحرب الشاملة ليس حبا بتجنب تصفيتنا، بل لأننا جالسون كالبط ننتظر ذبحنا كما انتظر ياسر عرفات حتى قررت إسرائيل أن وجوده لم يعد مفيدا...

ماذا يعني هذا؟

هذا يعني أن حزب الله بدأ يتحول شيئا فشيئا إلى منظمة فتح أخرى...

هذا يعني أن المحور بدأ يسير على نفس الدرب البائس الذي سارت عليه منظمة التحرير الفلسطينية حتى صارت في آخر عهدها جوكر غربي عند رباعية طوني بلير الذي جلب لها دايتون ودربها لتكون كلب حراسة لكلب الحراسة الإسرائيلي...

منظمة فتح التي هربت من هيمنة حافظ الأسد انتهت في حضن الخليج العربي الذي موّل كل الحروب التي تندلع هنا وهناك كل يوم لتفتيت هذه الأمة...

هل هناك ليفي كوهين في مركز مهم داخل حزب الله؟

بات السؤال شرعيا بعد كل الذي يحصل...

هل هناك "كشميري" لبناني يشبه كشميري إيران الذي زُرع في النظام الجديد بعد الثورة؟

من هو الذي قبض خمسة ملايين دولار وغادر إلى أوروبا بعد نجاح اغتيال الشهيد الطبطبائي كما تقول الشائعات؟

ولماذا لم يهرب إلى الإمارات التي لعبت معظم الأدوار الرئيسية لفك شيفرات حركات التحرر، ولم يجعلها احد تدفع الثمن؟

لماذا لم يذهب إلى السعودية التي دفعت أموال المكافآت على قتل الأحرار عن طريق الأميركي ولا يزال أغبياء محور المقاومة يخطبون ودّها...؟

الأسئلة المطروحة تذهب بعيدا لتسأل لماذا نحاول تبرئة رئيس الجمهورية حينا، والسعودية حينا آخر...

لماذا نتصرف وكأن الأميركي يفهم أي شيء على الإطلاق غير لغة الرصاص والقصاص!!

لماذا نتصرف وكأن النصر سيكون حليفنا حتما حتى لو جلسنا، ولم نغعل شيئا...

الحق لا ينتصر حتما...

الحق الذي لا يكون خلفه مُطالب يموت قهرا وذلا..

لا يوجد هناك حتمية تاريخية...

الهنود الحمر أكبر مثال في التاريخ البعيد...

الفلسطينيون أكبر مثل حي في التاريخ الجاري...

حتى الله،

حتى الله، لا يهتم لمن لا يقاتل من أجل الحق ويدعه يموت في الذل الذي يستحق...

العراق مثال حي لأموات تسير في الشوارع...

العراق الذي انتصر يوما على الاحتلال عاد واستجدى الاحتلال وهو يتعرض هذه الأيام لأكبر عملية إبادة بيئية في الماء والمناخ، بينما يعتصم مقتدى الصدر في صومعة، ويتذابح رفاق الأمس لخدمة الامبريالية والرجعية العربية...

محمد بن سلمان يتحول إلى جلاد الامبريالية بصفة ملك قادم، لكن هذه المرة ليس خادما للحرمين بل خادما عبدا مطيعا لأميركا...

بينما يرقصون في طهران لأن إبن سلمان يحكي معهم... (يا بعد عيني على هذه الثورية التي وصلت إليها الثورة الإسلامية)...

بينما هم فرحون، يعمل إبن سعود على إكمال مسيرة خدمة إسرائيل وأميركا وذر الرماد في عيون من لا يستحقون أن تكون لهم أعين من الأساس...

بعد اغتيال الطبطبائي يسأل المرء نفسه، أين صار حزب الله؟

هل انتهى حزب الله؟

لا تستطيع اي قوة في الكون هزيمة حزب يقاتل، ولا يتوقف أمام خطوط حمراء في إلحاق الأذى بالعدو...

لكن القوة التي تمد يدها إلى الرجعية العربية، وتعمل على تجميل صور أنصاف العملاء بعد أن تعفو عن العملاء؛ هذه القوة إلى زوال...

لا يستطيع احد إنهاء حزب الله؛ لكن الحزب سوف ينهي نفسه بنفسه إذا استمر بهذا الزحف وهذا التملق من داخل الحكومة او من خارجها...

يخرج بعض أبواق المقاومة يمدح الدور الفرنسي... إنها نفس الأبواق التي لا تتوقف عن رمي الحجج أمام نواف سلام وسمير جعجع وحتى أمام الأميركي نفسه...

هؤلاء إما أغبياء بصفة ماريشال في الغباء، وإما سوبر أغبياء في عصر الذكاء الصناعي...

المؤسف أن جزءا ليس قليلا من حزب الله ينتمي إلى ما تنتمي اليه هذه الأبواق...

يعطي البعض سوريا مثلا وحجة حول وجوب الخضوع لإملاءات الأميركي...

وكأن ما يقوم به العدو في سوريا لا يشبه ما يقوم به في لبنان...

الفرق الوحيد بين النظام السوري والنظام اللبناني الذي تصر المقاومة على البقاء داخله؛ هو أن إسرائيل تغتصب سوريا يوميا من "قدام ومن ورا"، بينما يتم اغتصاب لبنان من "%قدّام يوم إي، ويوم لأ"...حتى إشعار آخر...

ثم يخرجون ليقولوا أن إسرائيل لم تنتصر، ونحن لم نُهزم!

ما نفعله نحن...

ما تفعله إيران هو قمة الهزيمة...

نحن خاضعون...

بيدنا تخريب العالم على رؤوس الحميع، ولا نفعل!

يسأل الإمام العظيم علي بن أبي طالب كيف لا يخرج الجائع على الناس شاهرا السيف؛ ويسأل كل ذي عقل كيف قضينا سنتين في حرب يُقتل أطفالنا فلا نرد، تُغتصب نساؤنا، فلا نرد، نعتقل العملاء ثم نطلق سراحهم، نهدد أميركا وبريطانيا في قبرص ثم نرد على الحرب الشاملة بحرب محدودة عاجزة لرفع العتب...

نحرص على عدم قصف المدنيين، نريد الانتصار على إسرائيل دون إيلامها؛ نريد ردع أميركا دون إيذائها...

بالله عليكم كيف يمكن خلط الأمور إلى هذا الحد!!!

منذ اليوم الأول ونتنياهو يعلنها حرب وجود، والمرشد في إيران لا يزال يقف بقدسية أمام فتوى يقول فيها البروفيسور ميرشايمر إن السلاح النووي لم يعد فقط قوة ردع لمنع الاعتداء؛ بل صار في يد اسرائيل قوة تهديد للحصول على المكاسب دون دفع الأثمان...

في حرب ٧٣ كانت إسرائيل مهزومة على الجبهتين المصرية والسورية( يومها لم يكن هناك تلك القوة عند الإسلام السلفي الرجعي)، هددت إسرائيل باستعمال السلاح النووي إذا لم تتدخل أميركا إلى جانبها...

في حرب ال١٢ يوم مع إيران حصل الأمر نفسه فتدخلت أميركا وقبلت إيران وقف الحرب...

هل يفهم المرشد ماذا يعني هذا؟

أمس ارسل الإمام السيستاني إلى إيران يخبرها أن شيعة المنطقة في خطر وجودي، الحقيقة هي أن شرفاء السُنّة وشرفاء المسيحيين في هذه المنطقة في خطر وجودي هم أيضا...

ماذا يعني هذا؟

يعني أن على إيران أن تخرج على العالم شاهرة سيفا لا يعود الى الغمد إلا بعد أن تعود راية الحرية والكرامة والشرف تعلو في المنطقة بعد أن سقطت في العراق وتكاد تسقط في لبنان وفلسطين...

هل من مؤذن يصيح على المنابر وفي المساجد والكنائس والساحات أن "حيّ على الجهاد"..

ام تبقي الرايات في أيدي أحفاد إبن تيمية وعبد الوهاب وما أفرزوه من قاذورات في هذه الأمة...

حليم خاتون