البشير عبيد
لم تعد الحروب في الشرق الأوسط تُفهم بمنطق الضربة الخاطفة التي تنتهي بانتصار سريع أو هزيمة واضحة، بل أصبحت أقرب إلى صراعات طويلة تتداخل فيها السياسة بالعقيدة، والجغرافيا بالاقتصاد، والإقليم بالعالم. وفي مثل هذه الحروب لا يكون التفوق العسكري وحده كافياً لحسم النتائج، لأن موازين القوة لا تُقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ، بل بقدرة كل طرف على الصمود، وعلى تحمّل الكلفة، وعلى إدارة الزمن بوصفه عنصراً من عناصر القوة. من هنا يمكن قراءة المواجهة الراهنة باعتبارها نموذجاً لحرب من نوع مختلف، حرب لا تراهن على الحسم السريع بقدر ما تراهن على إطالة أمد الصراع، وتحويله إلى معركة استنزاف مفتوحة، يصبح فيها الوقت نفسه سلاحاً لا يقل أهمية عن السلاح التقليدي. وفي هذا السياق تبدو إيران وكأنها تتحرك وفق عقيدة تشكلت عبر عقود من الصراعات، تقوم على إدراك حدود القوة من جهة، وعلى توظيف تعدد الجبهات من جهة أخرى، وعلى اعتبار أن الصراع في المنطقة لا ينفصل عن القضية الفلسطينية ولا عن شبكة التحالفات التي نشأت حولها فيما يعرف بمحور المقاومة.
ضربة قطع الرأس وحدود الحسم العسكري
في الاستراتيجيات العسكرية الحديثة، تميل القوى الكبرى إلى الرهان على ما يسمى «ضربة قطع الرأس»، أي توجيه ضربات مركزة إلى القيادة السياسية أو العسكرية بهدف إحداث انهيار سريع في بنية القرار، على أساس أن فقدان القيادة يؤدي إلى ارتباك شامل يفتح الطريق أمام الحسم. وقد استُخدم هذا الأسلوب في حروب كثيرة، ونجح في بعض الحالات، لكنه فشل في حالات أخرى عندما كان النظام المستهدف قائماً على بنية مؤسساتية معقدة لا تعتمد على شخص واحد.
في الحالة الإيرانية، لا يقوم النظام على مركز واحد يمكن إسقاطه بضربة واحدة، بل على شبكة من المؤسسات المتداخلة التي تشمل القيادة السياسية، والمؤسسة الدينية، والحرس الثوري، وأجهزة الأمن، ومجالس القرار الاستراتيجي. هذه البنية تجعل الضربات المؤلمة قادرة على إرباك الدولة، لكنها لا تكون كافية لإسقاطها. بل إن التجارب السابقة تشير إلى أن التهديد الخارجي قد يؤدي أحياناً إلى مزيد من التماسك الداخلي، لأن الصراع يتحول إلى مسألة وجود لا إلى مجرد خلاف سياسي.
ولهذا لم يؤد استهداف القيادات أو المواقع الحساسة إلى انهيار سريع، بل استمرت القدرة على الرد، ولو بوتيرة أقل، واستمرت المواجهة في شكلها المتدرج، وهو ما يؤكد أن الرهان على الحسم الخاطف في صراع معقد كهذا قد لا يكون واقعياً.
عقيدة النفس الطويل وإدارة الاستنزاف
تدرك إيران أن المواجهة العسكرية التقليدية مع قوة كبرى ليست في صالحها من حيث ميزان القوة المباشر، لذلك طورت عبر سنوات طويلة استراتيجية تقوم على إدارة الصراع بدلاً من حسمه، وعلى إطالة الحرب بدلاً من إنهائها بسرعة. هذه الاستراتيجية تقوم على استخدام وسائل أقل كلفة وأكثر قدرة على الاستمرار، مثل الصواريخ المتوسطة المدى، والطائرات المسيّرة، وأدوات الضغط غير المباشر، وهي وسائل قد لا تحقق نصراً سريعاً، لكنها تجعل الحرب مفتوحة على زمن طويل.
في الحروب الحديثة، لا تكمن المشكلة في توجيه الضربة الأولى، بل في القدرة على الاستمرار بعد عشرات الضربات. فكل منظومة دفاعية متطورة تحتاج إلى كلفة عالية، وكل اعتراض صاروخي يستهلك موارد كبيرة، بينما تستطيع الوسائل الأقل كلفة أن تستمر لفترة أطول. ومع مرور الوقت تتحول هذه الفجوة في الكلفة إلى عامل ضغط سياسي واقتصادي، لأن استمرار الحرب يعني استمرار الإنفاق، واستمرار الإنفاق يعني دخول المجتمع والاقتصاد في قلب المعركة.
لهذا فإن الاستنزاف ليس مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل قد يكون هدفاً بحد ذاته، لأن إطالة الصراع تجعل الخصم أمام معادلة صعبة: إما أن يواصل حرباً مكلفة بلا أفق واضح، أو يبحث عن تسوية لا تحقق له نصراً كاملاً.
إيران ومحور المقاومة وتعدد الجبهات
لا يمكن فهم الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة بمعزل عن موقعها داخل ما يُعرف بمحور المقاومة، وهو إطار تشكل عبر سنوات طويلة من الصراعات، ويضم قوى ترى أن المواجهة في المنطقة لا تتعلق بدولة واحدة، بل بصراع أوسع يرتبط بالقضية الفلسطينية وبموازين القوة في الشرق الأوسط. في هذا السياق لا تبدو طهران وكأنها تقاتل وحدها، بل كجزء من شبكة من الحلفاء الذين يملكون حضوراً عسكرياً وسياسياً في أكثر من ساحة.
في لبنان يشكل حزب الله قوة ردع مؤثرة في معادلة الصراع، وفي العراق يمثل الحشد الشعبي ثقلاً عسكرياً وأمنياً في منطقة شديدة الحساسية، وفي اليمن أظهرت جماعة أنصار الله قدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وجود هذه الأطراف لا يعني أن الحرب تتحول تلقائياً إلى مواجهة شاملة، لكنه يجعل أي تصعيد قابلاً للاتساع، ويجعل حسابات الحسم أكثر تعقيداً.
تعدد الجبهات يمنح إيران قدرة على توزيع الضغط، لأن المواجهة لا تبقى محصورة في مكان واحد، بل يمكن أن تتحرك بدرجات مختلفة، وهو ما يجعل من الصعب تحقيق انتصار سريع. فبدلاً من مواجهة طرف واحد، يجد الخصم نفسه أمام شبكة مترابطة من القوى، لكل منها دور مختلف، لكن تأثيرها يتجمع في النهاية ضمن معادلة واحدة.
فلسطين في قلب الصراع لا على هامشه
يبقى البعد الفلسطيني حاضراً في خلفية كل صراع في المنطقة، لأن القضية الفلسطينية ليست مجرد ملف سياسي، بل عنصر أساسي في تشكيل الوعي السياسي العربي. ومن هنا فإن العلاقة بين إيران وفصائل المقاومة الفلسطينية تجعل أي مواجهة معها مرتبطة في نظر كثيرين بسياق أوسع يتجاوز حدود الدولة الإيرانية نفسها.
هذا الارتباط يمنح الصراع بعداً رمزياً وسياسياً يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، لأن المواجهة لا تُفهم فقط باعتبارها صراع نفوذ، بل باعتبارها جزءاً من معركة طويلة حول مستقبل المنطقة وتوازناتها. ولهذا فإن الحديث عن محور المقاومة لا ينفصل عن الحديث عن فلسطين، كما أن أي تصعيد كبير في المنطقة يعيد القضية إلى مركز المشهد، حتى عندما يبدو أن الصراع يدور في ساحات أخرى.
في مثل هذا السياق، يصبح الصمود جزءاً من المعركة، لأن الحفاظ على القدرة على المواجهة، ولو في حدها الأدنى، يعني منع الخصم من فرض نتيجة نهائية، وهو ما يجعل الحرب مفتوحة على الزمن بدل أن تنتهي بضربة واحدة.
الحرب الاقتصادية واستنزاف الزمن
عندما تطول الحروب، تميل إلى الانتقال من المواجهة العسكرية المباشرة إلى استهداف البنية الاقتصادية، لأن إضعاف القدرة الإنتاجية واللوجستية قد يكون أكثر تأثيراً من ضرب المواقع العسكرية. واستهداف منشآت الطاقة أو الموانئ أو طرق النقل يدخل في إطار حرب طويلة تهدف إلى إنهاك الدولة على المدى البعيد.
لكن خطورة هذا النوع من التصعيد أنه لا يبقى محصوراً في طرف واحد، خصوصاً في منطقة مثل الخليج، حيث ترتبط أسواق الطاقة وحركة الملاحة بالتوازن العالمي كله. فارتفاع أسعار النفط، واضطراب حركة السفن، وارتفاع كلفة التأمين، كلها عوامل تجعل الحرب تتجاوز حدودها الإقليمية لتصبح أزمة دولية. وعندما تصل المواجهة إلى هذه المرحلة، يصبح من الصعب التراجع، لأن كل ضربة تخلق ردّاً، وكل رد يفتح باباً لتصعيد جديد.
في هذه اللحظة بالذات يظهر معنى أن يصبح الزمن سلاحاً، لأن استمرار التوتر يفرض كلفة متراكمة على الجميع، ويجعل السؤال الأساسي ليس من يملك القوة الأكبر، بل من يستطيع أن يتحمل أكثر.
بين التفوق العسكري وقدرة الصمود
الخلاصة التي يمكن الوصول إليها أن الحروب المعاصرة لا تُحسم دائماً في الميدان، بل في القدرة على الاستمرار. قد يمتلك طرف ما تفوقاً عسكرياً واضحاً، لكنه لا يملك القدرة على خوض حرب طويلة، وقد يكون الطرف الآخر أقل قوة، لكنه أكثر استعداداً لتحمل الكلفة. وعندما يحدث ذلك يصبح عامل الزمن هو العنصر الحاسم في تحديد النتيجة.
في هذا الإطار يمكن فهم الاستراتيجية الإيرانية بوصفها رهاناً على النفس الطويل، وعلى تعدد الجبهات، وعلى إدخال الاقتصاد والسياسة في قلب المعركة، لا الاكتفاء بالمواجهة العسكرية المباشرة. وهذه الاستراتيجية، سواء نجحت أو فشلت، تعكس تحوّلاً في طبيعة الصراعات في المنطقة، حيث لم يعد السؤال من ينتصر في البداية، بل من يبقى قادراً على القتال في النهاية.
وحين يصل الصراع إلى هذه المرحلة، يصبح الزمن نفسه سلاحاً، وربما أخطر الأسلحة كلها، لأنه لا يضرب مرة واحدة، بل يضرب كل يوم.
* كاتب صحفي و باحث تونسي مهتم بقضايا التنمية و المواطنة و النزاعات الإقليمية و الدولية و آخر تطورات الصراع العربي - الصهيوني.