قمم بكين الأخيرة والنظام العالمي الجديد
مقالات
قمم بكين الأخيرة والنظام العالمي الجديد
م. ميشيل كلاغاصي
22 أيار 2026 , 20:28 م

م. ميشال كلاغاصي

– 22/5/2026

احتضنت الصين مؤخراً قمتين من العيار الثقيل، الأولى جمعة الزعيم الصيني بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتقى في الثانية مع الزعيم الروسي فلاديمير بوتين، وعلى الرغم حجم ومكانة الضيفين وأهمية القمتين، إلاّ أن حفاوة بكين يدت أكثر دفئاً خلال استقبال الرئيس الروسي، بما دفع الصحافة العالمية للإشارة والمقارنة والدلالة على أن بكين أولت زيارة بوتين أهمية خاصة، سلطت فيها الضوء على عمق التقارب الإستراتيجي بينهما المعني بطريقة الحوار العملي مع واشنطن، خصوصاً وأن العلاقات بينهما من جهة والولايات المتحدة من جهةٍ أخرى تمثل توازن القوى الحالي الذي يضبط إيقاع السلام الهش، مع إعتبار أن موسكو وبكين هما المهندسان الفعليان لهذا النظام، في حين تبقى واشنطن العنصر الضروري فيه.

وقد أكدت شبكة CNN "أن زيارة بوتين إلى الصين كانت أكثر نجاحاً من زيارة ترامب"، في الوقت الذي بدت فيه بكين أكثر انفتاحاً ووديةً وتركيزاً على الصداقة التي تجمع بين الزعيمين الروسي والصيني وبلديهما، حيث وصف بوتين لقائه الخاص مع الزعيم شي جين بينغ يالـ " ودي"، فيما أكد الزعيم الصيني أن بوتين "صديق قديم".

في حين أكد بيان القمة الروسية – الصينية المشترك على تعزيز الشراكة الشاملة والتفاعل الإستراتيجي، وتعميق علاقات حسن الجوار والصداقة والتعاون الذي يشكل في جوهره وثيقةً سياسية لعلاقة التحالف الفعلي بين روسيا والصين في الشؤون الدولية، بما يؤكد القدرة العالية للطرفين على تحقيق التوافق والإتفاق في تلك الشؤون.

في الوقت ذاته، لا يُمكن اعتبار أن التحالف العسكري بين روسيا والصين بأنه الخيار العملي والخط الأحمر، وسط الحسابات والمخاوف التي قد تدفع الولايات المتحدة وحلفائها لتخطي هذا التحالف وإشعال الحرب العالمية الثالثة.

في الوقت الذي حاول فيه ترامب خلال زيارة للصين إدارة التنافس بين بكين وواشنطن، والتركيز على مكانة البلدين في الهيكل الإقتصادي العالمي، والوصول إلى الأسواق والتقنيات والموارد لعقود قادمة.

في الوقت الذي لا يمكن فيه الحديث عن صراع مباشر بين الصين والولايات المتحدة؛ فالاتفاقيات التي تم توقيعها خلال القمة تشير إلى تفاهم الجانبين على ضرورة مواصلة الحوار، والذي يعتبر حلاً بديلاً عن إنهيار العلاقات الصينية - الأمريكية، والتسبب بإحداث صدمة حقيقية لللإقتصاد العالمي، ومخاطر ذلك على الأمن العالمي.

وعلى الرغم من القرارات والمواقف "الجنونية المتهورة" للرئيس ترامب وإدارته، إلاّ أنه يُدرك تماماً ضرورة الحوار مع موسكو وبكين حتى في ظل بيئةٍ تنافسية، تدفعه لإختيار شيئاً من الحكمةٌ التي غابت عنه مؤخراً في مغامرته العسكرية وقراره العدوان على إيران.

على مدى عقود لا نزال الولايات المتحدة تحاول إستمالة الصين أو روسيا إلى جانبها، لكنها لم تقدم ما يكفي من المحفزات والمغريات، ولم تتخل عن سياساتها العدائية تجاههما، وعلى الأقل تجاه أحدهما، ولم تستطع دفع موسكو لإعتبار أن الصين تشكل تهديداً لها وكذلك الأمر بالنسبة لبكين، في وقتٍ أثبت الأمريكيون أنهم لا يسعون إلى علاقاتٍ وثيقة مع أحد إلاّ من خلال تحالفاتٍ تكتيكية تضمن هيمنتها واحتكار سيطرتها على الشؤون الدولية، وباتت موسكو وبكين على دراية تامة بسياسات واشنطن لدرجة تمنعهما من التفاوض معها بثقة وجدية.

أن استقرار العالم الحالي سيبقى رهن توازن العلاقات بين الدول الثلاث، بما يتيح إمكانية الحفاظ على الظروف المعيشية للبشرية جمعاء.

في الظروف والأوضاع الحالية، يبدو أن الرهان على كسر حالة التوازن أمراً مستبعداً، رغم بعض حالات الهيمنة في بضع مجالات تتميز بها كل قوة على حدة، الأمر الذي قد يمنح شيئاً من الطمأنينة للمتشائمين ومتوقعي إندلاع الحروب العالمية الثالثة.

لا بد من استمرا السعي الجماعي للحفاظ على أمن الكوكب، على الرغم من حالة عدم اليقين بإستمرار حكمة ترامب ومن سيخلفه بإحترام الحوار والتنافسية، كذلك مع استمرار المحاولات لفرض هيمنة الروبل واليوان على الدولار، وتعميق علاقات الشراكة الإستراتيجية الروسية – الصينية، وضمان القدرة العسكرية المشتركة لهما لمواجهة التهديدات الأمريكية محتملة الولادة في أي لحظة.

أخيراً ... تؤكد قمم بكين الأخيرة، حقيقة وأهمية "المثلث القوى الإستراتيجي" لتحديد شكل ومستقبل النظام العالمي الجديد، ومع ذلك، تبقى العلاقات الحالية بين روسيا والصين والولايات المتحدة تمثل ميزان القوى الدولي، وبأنها السبيل الوحيد للحفاظ على سلام الكوكب، رغم وديتها أو عدائيتها، بعيداً عن الطموحات والأحلام الأمريكية المستحيلة بالتفرد بقيادة العالم الجديد.

م. ميشال كلاغاصي

22/5/2026