يتحدث ملايين الأشخاص أثناء نومهم دون أن يتذكروا ذلك عند الاستيقاظ. ورغم شيوع هذه الظاهرة، فإنها ما تزال غير مفهومة لدى كثيرين. فهل الكلام أثناء النوم حالة طبيعية؟ أم قد يكون مؤشرا على اضطراب صحي يحتاج إلى متابعة؟ هذه الأسئلة أجاب عنها مقالة وردت في صحيفة أرجومنتي إي فاكتي.
ما هو الكلام أثناء النوم؟
يُعرف الكلام أثناء النوم علميا باسم السومنيولوكيا، وهو أحد أكثر اضطرابات النوم الجزئية (الباراسومنيا) شيوعا، أي الظواهر غير المعتادة التي تحدث خلال النوم.
قد يتراوح هذا الكلام بين:
تمتمة غير مفهومة
جُمل قصيرة أو طويلة مترابطة
ضحك أو صراخ أو جدال
وقد تستمر النوبة لبضع ثوانٍ أو عدة دقائق، وقد تتكرر أكثر من مرة خلال الليلة الواحدة، أحيانا تتعلق الكلمات بأحداث قريبة، وأحيانا أخرى بذكريات بعيدة، وكأن الدماغ يستعرض صفحات قديمة من الذاكرة.
لماذا يحدث الكلام أثناء النوم؟
من الناحية العلمية، يحدث الكلام أثناء النوم نتيجة تداخل مراحل النوم. فالدماغ لا ينتقل فجأة بين النوم واليقظة، بل يمر بحالة انتقالية معقدة يتم خلالها تنشيط وتعطيل مراكز عصبية مختلفة.
في هذه اللحظات:
تنشط مراكز النطق والحركة الكلامية في الدماغ
بينما يبقى الوعي في حالة نوم
إذا وقع ذلك خلال مرحلة النوم الحالم (REM)، فقد يكون الكلام مرتبطا بمحتوى الحلم.
أما إذا حدث خلال النوم العميق (غير الحالم)، فيكون غالبا نتيجة استيقاظ جزئي غير مكتمل.
هل للكلام أثناء النوم علاقة بالتوتر؟
توضح الدكتورة أولغا بيردينا، الباحثة الرئيسية في مختبر علم النوم والفيزيولوجيا العصبية بالمركز العلمي لمشكلات صحة الأسرة والتكاثر البشري، أن الشخص النائم:
«لا يدرك تغير سلوكه أثناء النوم، ولا يتذكر ما قاله بعد الاستيقاظ، ويعرف بذلك فقط من الآخرين».
وتضيف أن الاعتقاد السائد بأن الكلام أثناء النوم يحدث فقط بسبب التوتر أو المشاعر السلبية ليس دقيقا تماما، رغم أن التوتر قد يكون أحد العوامل، خاصة لدى البالغين. إذ يمكن أن يظهر هذا السلوك حتى لدى أشخاص يتمتعون باستقرار نفسي نسبي.
من الأكثر عرضة للكلام أثناء النوم؟
تشير الإحصاءات إلى أن:
نحو 50% من الأطفال يتحدثون أثناء النوم في مرحلة ما
حوالي 4% من البالغين يعانون من ذلك أحيانا
ولا يوجد فرق ملحوظ بين الرجال والنساء من حيث الانتشار، لكن نوبات الكلام أثناء النوم لدى الرجال غالبا ما تكون أعلى صوتا وأكثر انفعالا.
متى يكون الأمر طبيعيا؟
في الغالبية العظمى من الحالات، خاصة لدى الأطفال، يُعد الكلام أثناء النوم ظاهرة حميدة:
لا تتطلب علاجا
لا تستدعي زيارة الطبيب
وغالبا تختفي تلقائيا مع التقدم في العمر
ولا يوجد داعٍ للقلق إذا كانت النوبات:
متقطعة
لا تؤثر في جودة النوم
ولا تزعج الشخص أو من يشاركه النوم
متى يجب القلق واستشارة الطبيب؟
تحذر الدكتورة أولغا بيردينا من أن السومنيولوكيا قد تكون أحيانا:
حالة طبيعية
أو عرضا لاضطرابات نوم خطيرة
ومنها:
متلازمة انقطاع النفس أثناء النوم
الخدار (النوم القهري)
اضطرابات السلوك أثناء النوم الحالم
وتنصح بمراجعة طبيب مختص (طبيب أعصاب أو أخصائي نوم) إذا:
كان الكلام أثناء النوم يحدث كل ليلة
ترافق مع قلق حركي أو انفعالي واضح
أثر سلبا في جودة الحياة أو النوم
التشخيص والفحوصات
في الحالات المقلقة، قد يطلب الطبيب إجراء تخطيط النوم الشامل (البوليسومنوجرافيا)، وهو فحص يتم في مختبر متخصص، ويشمل:
تسجيل نشاط الدماغ
مراقبة التنفس ونبض القلب
تتبع الحركات
تسجيل صوتي ومرئي أثناء النوم
ويُعد هذا الفحص المعيار الذهبي لتشخيص اضطرابات النوم وتحديد المرحلة التي يحدث فيها الكلام، إضافة إلى كشف أي مشكلات مصاحبة.
كيف يمكن التقليل من الكلام أثناء النوم؟
حتى في الحالات غير الخطيرة، يمكن تقليل تكرار هذه الظاهرة عبر الالتزام بقواعد نظافة النوم، ومنها:
الالتزام بموعد ثابت للنوم والاستيقاظ
تهيئة غرفة نوم مريحة، مظلمة وباردة نسبيا
تجنب الكافيين، الطعام الثقيل والكحول قبل النوم
تقليل التوتر باستخدام تقنيات الاسترخاء مثل التأمل أو القراءة أو التمدد الخفيف.
في معظم الأحيان، يُعد الكلام أثناء النوم مجرد ظاهرة مثيرة للاهتمام تعكس طريقة عمل الدماغ.
لكن إذا أصبح متكررا، عالي الصوت، ومشحونا بالعاطفة، وأثر في جودة الحياة، فإن استشارة الطبيب تصبح خطوة ضرورية لاستبعاد أي اضطرابات خفية وضمان نوم صحي وآمن.