سعى علماء إلى فهم العوامل التي تقف وراء تحقيق النجاح العالمي المستدام في مجالات مثل العلوم والموسيقى والرياضة، من خلال تحليل المسارات المهنية لأشخاص حققوا إنجازات استثنائية . وتهدف نتائج الدراسة إلى المساعدة في بناء أنظمة تعليمية وتدريبية قادرة على استثمار الإمكانات البشرية إلى أقصى حد.
قاد فريق بحثي برئاسة البروفيسور آرنه غولليش من الجامعة التقنية الراينية-الفستفالية (RWTH Aachen) في ألمانيا دراسة شاملة شملت 34 ألف شخصية بارزة في مجالات علمية ورياضية وفنية، للكشف عن الأنماط المشتركة في طرق الوصول إلى القمة.
الفرق بين النجاح المبكر والنجاح المتأخر
أظهرت نتائج الدراسة أن الأفراد الذين يحققون نجاحا لافتا في سن مبكرة يصلون عادة إلى ذروة أدائهم بسرعة، لكنهم في الغالب يركزون على مجال واحد ضيق فقط، مثل رياضة واحدة أو تخصص علمي واحد.
في المقابل، فإن الذين يحققون نجاحا كبيرا في مراحل عمرية متقدمة يصلون إلى قمة أدائهم بشكل تدريجي، مستفيدين من خبرات متعددة وتداخل بين التخصصات.
لماذا لا يستمر تفوق الموهوبين الصغار؟
بيّنت الدراسة أن النجاح المبكر غالبا ما يكون نتيجة التخصص المفرط والسريع. إذ يركز الرياضيون أو الموسيقيون أو لاعبو الشطرنج الصغار على مجال واحد بشكل مكثف، ما يمنحهم تفوقا سريعا على أقرانهم.
لكن هذا النهج:
يحد من تنوع الخبرات
يقلل من المرونة الفكرية
لا يؤسس لقيادة طويلة الأمد
ولهذا تشير الإحصاءات إلى أن نحو 90% من الأطفال المعجزة (النوابغ) لا يصبحون خبراء عالميين أو قادة في مجالاتهم عند بلوغهم سن الرشد.
النجاح في سن الرشد يقوم على التنوع
النجاح طويل الأمد يعتمد على تنوع الخبرات والتطور التدريجي أكثر من التفوق المبكر والتخصص الضيق
أوضحت الدراسة أن النجاح المستدام في مرحلة البلوغ يعتمد على:
ممارسة متعددة التخصصات
خبرة واسعة ومتراكمة
تطور تدريجي في المهارات
ويؤدي هذا المسار إلى تعزيز القدرة على التفكير المرن والابتكار، ما يسمح بالتعامل مع المشكلات المعقدة بكفاءة عالية وعلى المدى الطويل.
فوائد التطور التدريجي
حدد الباحثون عدة مزايا لهذا النهج، من أبرزها:
تحسين القدرة على إيجاد حلول غير تقليدية
بناء مستوى أعمق من الإتقان المهني
تقليل مخاطر الإرهاق النفسي وفقدان الدافعية
فئات النجاح ليست واحدة
أظهرت الدراسة أيضًا أن:
المتفوقين في الطفولة
النوابغ
الأبطال في سن الرشد
العلماء البارزين
يمثلون في الغالب فئات مختلفة من الأشخاص، ونادرًا ما يحتفظ من يحقق نجاحًا مبكرًا بمكانته في القمة لاحقًا في حياته المهنية.
دلالات مهمة للأنظمة التعليمية
أكد الباحثون أن هذه النتائج تحمل أهمية كبيرة لإعادة النظر في برامج التعليم والتدريب. فالأنظمة التي تركز فقط على التخصص المبكر والضيق قد لا تؤدي إلى نجاح طويل الأمد.
ويرى العلماء أن تنمية المواهب، سواء لدى الأطفال الموهوبين أو الرياضيين الطامحين للعالمية، تتطلب:
مزيجا من التدريب المكثف
واكتساب مهارات ومعارف متنوعة
خلاصة نتائج الدراسة
توصل فريق البحث إلى مجموعة من النقاط الأساسية:
تنوع الخبرات يساعد على إيجاد حلول أكثر فاعلية
تعلم مهارات متعددة يعزز الوصول إلى مستوى عالٍ من الإتقان
التطور التدريجي يقلل من خطر الاحتراق الوظيفي وفقدان الحافز
النجاح المبكر يعتمد على التخصص الضيق، بينما النجاح طويل الأمد يقوم على الخبرة المتنوعة والنمو التدريجي
ويؤكد الباحثون أن فهم هذه الفروق ضروري لتصميم برامج تعليمية وتدريبية قادرة على إعداد مبدعي وقادة المستقبل.