بقلم ( عباس المعلم )
فلنكن واضحين، فجّين، وقحين كما تقتضي الحقيقة ؟ قضية «الأمير الوهمي أبو عمر» ليست فضيحة سياسية، بل فضيحة ذوق ،، ليست جريمة وطنية، بل خطأ بروتوكولي قاتل ، فالرجل لم يُخطئ لأنه تدخّل في لبنان، بل لأنه فعل ذلك بلا لقب، بلا دولة، بلا نشيد وطني، وبلا صورة معلّقة في صالون الزعامة ، في الجمهورية اللبنانية، هذا وحده جرم لا يُغتفر.
منذ متى كان الارتهان للخارج خبرًا طارئًا؟ منذ متى صار طلب الرضا الخارجي فعلًا مشينًا؟ ومتى احتاج السياسي اللبناني إلى إذن من ضميره ليبيع البلد، طالما يملك إذنًا من سفارة؟
لبنان، لمن لا يزال يمثل النسيان، لم يُحكم يومًا من الداخل ، هو مشروع خارجي بلهجة محلية، دولة تعمل بنظام الريموت كونترول، وبطارياتها تأتي دائمًا من الخارج.
الوصايات مرّت علينا كما تمرّ الفصول وصاية أنيقة ببدلة غربية، وصاية خشنة بحذاء عسكري، وصاية " شقيقة" وصاية (صديقة) ووصاية «اضطرارية» باسم الاستقرار.
جميعهم كانوا «أبو عمر»، مع فارق وحيد لا أكثر ، كانوا حقيقيين ، لهم مكاتب، وسفراء، وأجهزة، وبيانات، وطوابير سياسيين لبنانيين مصطفّين على الأبواب كما المتسوّلين على موائد الرحمن.
أما «أبو عمر» هذا، فارتكب الخطيئة الكبرى .. فضح اللعبة ، لم يحترم تقاليد الفساد، لم يلتزم بأعراف الخيانة الراقية، دخل بلا بطاقة تعريف، فكانت الضجّة. لا لأن سيادة لبنان انتُهكت فهي مدفونة منذ زمن ، بل لأن الوقاحة جاءت بلا توقيع رسمي ! ولو كان أميرًا فعليًا، لامتلأت الشاشات بمديح «العلاقات التاريخية»، ولتسابق السياسيون على النفي مع إبقاء الخط مفتوحًا، ولتحوّلت الفضيحة إلى سوء فهم إعلامي عابر.
لكن لأنه وهمي، صار فجأة تهديدًا وجوديًا ، لأنه بلا دولة، بدا أخطر من كل الدول ،ولأنه بلا سفارة، فضح كل السفارات.
والحقيقة العارية أن لبنان لا يُدار من المؤسسات الدستورية والقرار السيادي ، بل من حيث تُرفع السماعة ويُقال " شو الرأي؟ " هناك تُصنَّع الرؤساء، وتُفصَّل الحكومات، وتُطوَّع الدساتير، ولا يكتشف السياديون معنى السيادة إلا عندما يكون المتدخّل غير مُصنّف رسميًا.
وهنا بيت القصيد ، المشكلة ليست في وجود «أبو عمر»، بل في وجود لبنان مستعد لقبول أي «أبو عمر»، شرط أن يكون معتمدًا، مختومًا، ومعترفًا به دوليًا. أما الجوهر فمحصّن،، العمالة ليست عيبًا، الارتهان ليس تهمة، والتدخل الخارجي ليس فضيحة. الفضيحة الوحيدة أن يأتي التدخل بلا بدلة رسمية، بلا علم، وبلا كذبة دبلوماسية محترمة.
والسؤال الأخير، الذي يفضح كل هذا الهياج الأخلاقي المزيّف ؟ هل ثارت هذه الجمهورية لأن كرامتها وسيادتها انتُهكت، أم لأن «أبو عمر» انتحل صفة محرّمة وخدش ما لا يجوز خدشه، فأغضب السعودية… لا لبنان؟
عباس المعلم - كاتب سياسي