✍️عبدالله علي هاشم الذارحي؛
في المحاضرة الرمضانية الثالة للسيد القائد (يحفظه الله)، اشار الى أن القرآن الكريم في قصة نبي الله موسى مع فرعون موجزاً حكيماً يلخص صراع الإرادات بين الطغيان المتمكن وبين الاستضعاف المظلوم.
لم تكن القصة مجرد سرد تاريخي،بل هي دستور حركة للمؤمنين في كل زمان ومكان، خاصة في مواجهة طغيان العصر الذي يمثله "اليهود"، والذين يتبنون ذات السياسة الفرعونية في استهداف قيم الرجولة، ونشر الفساد، وإذلال الشعوب.
إرادة الله فوق حسابات الطغاة
تتجلى عظمة الله في قوله: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ).
هذه الإرادة ليست رغبة عابرة، بل هي سنة إلهية ثابتة لا تتبدل. إن "المنّة" الإلهية هنا تعني الخلاص من العبودية، والانتقال إلى فضاء الحرية والكرامة والعيش تحت توجيهات الله.
وهي المصداق الأكبر لحقيقة أن (اللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ)، مهما بلغت ترسانة فرعون (الدولة الكبيرة) أو وزير قراره (هامان) أو آلة حربه (الجنود).
معيار الفرز: أي مستضعف أنت؟
لقد بيّنت المحاضرة أن "الاستضعاف"
بحد ذاته ليس صكاً للنصر، بل إن النصر مشروط بنوعية الأمة المستضعفة. وهنا ينقسم الناس إلى ثلاثة أصناف:
1- المستضعفون الواعون: وهم الذين لا يقبلون بالهوان، يلتجئون إلى الله، ويتحركون عملياً لتغيير واقعهم. هؤلاء هم وقود التمكين.
2- المستضعفون الجﺎمدون: الذين استسلموا لواقعهم وفقدوا الإرادة، وهؤلاء وصفهم القرآن بـ (ظالمي أنفسهم).
3- المستضعفون التابعون: الذين تحولوا إلى أدوات بيد الطاغية، يصفقون له ويوالونه، وهم شركاؤه في المصير.
من قيود الذلة إلى منصات القيادة
إن وعد الله للمستضعفين الواعين يتجاوز مجرد "الخلاص" من الظلم؛ بل يمتد ليشمل ثلاثة مستويات من التحول التاريخي:
(نجعلهم أئمة): نقلهم من حالة التبعية إلى حالة القيادة والريادة.
(نجعلهم الوارثين): تسليمهم زمام المسؤولية في الأرض لإقامة الحق.
(نري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون): تحويل مخاوف الطغاة إلى واقع ينهي عروشهم، بفضل وعي وحركة أولئك الذين كانوا يُحتقرون بالأمس.
بين الأمس واليوم: حتمية النصر
ما حدث لبني إسرائيل (في زمن استقامتهم) وما حدث في صدر الإسلام من بشارات النصر في "سورة الروم" أو "غزوة الأحزاب"، يؤكد أن الله يمنح اليقين للمؤمنين في أحلك الظروف.
فبينما كان المنافقون يقولون (ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً)، كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، يبشر بفتح مدائن اليمن وفارس.
الخلاصة: مما سبق يتبين..
إن طغيان العصر وقلق الأعداء اليوم هو نتاج إدراكهم لخطورة "المستضعفين الواعين".
فالتمكين ليس هبة للكسالى، بل هو انتقال من حالة الانتهاك إلى حالة الإدارة والسيادة، مشروطاً بالثبات، والتوكل،والتحرك المسؤول في سبيل الله.