عدنان علامه - عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
لم يعد خافياً على أحد أن إعلان "وقف إطلاق النار" الذي وُلد ميتًا في 27 تشرين الثانيةنوفمبر 2024؛ لم يكن سوى مناورة استراتيجية لإعادة تموضع جيش الإحتلال، وليس إلتزاماً بالشرعية الدولية.
فتصريحات نتنياهو الأخيرة حول التمسك بـ "المناطق العازلة" في لبنان وسوريا ليست مجرد تعنت سياسي، بل هي إعلان نعي رسمي للقرار 1701 واغتيال معلن لسيادة الدولتين اللبنانية والسورية.
ولا بد من تحليل الوضع من عدة زوايا:
أولاً: الخديعة القانونية و"اتفاقات الظل"
إن ما يجري اليوم هو جريمة مركبة؛ فبينما وقَّع لبنان على اتفاق برعاية أمريكية-فرنسية، تبين أن هناك "اتفاقاً جانبياً" منحته واشنطن لتل أبيب يشرعن استباحة الأجواء والأراضي اللبنانية.
1-1 قانونياً: لا يمكن لاتفاق ثنائي (أمريكي-إسرائيلي) أن يلغي مفاعيل معاهدة دولية أو يمنح شرعية لعدوان على طرف ثالث (لبنان).
2-1 إنسانيًا: وفقاً لاتفاقية جنيف الرابعة، بمجرد توقف الأعمال القتالية، تكتسب الأطراف والمدنيون صفة "الأشخاص المحميين". إن استهداف المقرات والمنازل في البقاع وبعلبك تحت ذريعة "التخطيط لعمليات" هو محاكمة على النوايا لا تقرها أية شريعة في الأرض، وهي جرائم حرب موصوفة.
ثانياً: المثلث المسؤول عن الدماء النازفة
لا يمكن حصر المسؤولية في "إسرائيل" وحدها، بل تتوزع المسؤولية الجنائية والأخلاقية على ثلاثة محاور:
1- كيان الاحتلال: بصفته الأداة التنفيذية لجرائم الإبادة والخرق المستمر للسيادة.
2- الإدارة الأمريكية: التي لم تلعب دور "الضامن" بل دور "المحرّض والشريك"، عبر تزويد الاحتلال بالسلاح والغطاء السياسي (الضوء الأخضر) لخرق الاتفاق الذي رعته هي نفسها.
3- مجلس الأمن الدولي: الذي يثبت يوماً بعد يوم تقاعسه عن إلزام الاحتلال بالانسحاب إلى الحدود الدولية، تاركاً لبنان لقمة سائغة للأطماع التوسعية.
ثالثاً: السلطة اللبنانية.. " خرق للدستور وسلطة غائبة"
أمام هذا التغول الإسرائيلي، تبدو السلطة التنفيذية اللبنانية في حالة "موت سريري" أو تواطؤ صامت.
وقد وضعت السلطة التنفيذية نفسها، نتيجة تصرفاتها موضع شبهة؛ فإصرارها على سحب سلاح المقاومة بالرغم من إصرار الإحتلال على عدم الإنسحاب من الأراضي المحتلة؛ وعجزها وعدم قدرتها على حماية السيادة والدفاع عن الشعب لا يمكن تبريره إلا بالرضوخ الكامل للإملاءات الأمريكية.
وبذلك تكون الحكومة قد إرتكب عدة مخالفات.
1-3 المخالفة الدستورية:
لقد خرق رئيس الحكومة الدستور صراحةً عبر القفز فوق الفقرة التي تنص على بسط سلطة الدولة بعد إزالة الاحتلال بالكامل، وليس في ظل وجود "مناطق عازلة" وقوات محتلة ترفض الانسحاب.
2-3 سقوط الشرعية:
كما أشار غبطة البطريرك الراعي، فإن السلطة التي تعجز عن حماية شعبها وسيادتها تفقد مبرر وجودها. إن التمسك بالكراسي في ظل استباحة الدماء وسقوط الشهداء في البقاع والجنوب هو طعنة في ظهر المقاومة الشعبية التي يكفلها القانون الدولي للدفاع عن الأرض.
3-3 والخلاصة القانونية:
إن الحق في المقاومة هو حق أصيل نابع من "شرعية الدفاع عن النفس" التي تقرها الأمم المتحدة. فإذا كان الاحتلال يرفض الانسحاب، وإذا كان الوسيط (طوم برَّاك) يحمل تهديدات بدلاً من الحلول، فإن الخيار الوحيد المتبقي للبنان هو العودة إلى الميدان، لأن الأرض التي لا تحميها القوانين الدولية المنحازة، تحميها سواعد أبنائها.
فنتنياهو لا يبحث عن أمن، بل عن "جغرافيا بديلة"، وصمت وعجز لبنان الرسمي هو الوقود الذي يحرق ما تبقى من السيادة.
ولا بد من إلزام رئيسي الجمهورية والحكومة بما الزم كل منهما نفسه؛ فقسم رئيس الجمهورية ينص عل التالي :
«أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصًا على النظام الجمهوري، وأن احترم الدستور والقانون، وأن أرعى مصالح الشعب رعاية كاملة، وأن أحافظ على استقلال الوطن ووحدة وسلامة أراضيه».
ومقدمة البيان الوزاري لحكومة الرئيس نواف سلام
(حكومة "الإصلاح والإنقاذ") :
" نمثل أمامكم حكومة مُتضامنة، ومُلتزمة الدّفاع عن سيادة لبنان ووحدة أرضه وشعبه والعمل الجاد من اجل إخراجه من المِحن والأزمات……"
يُحظر الدستور اللبناني بشكل قطعي التنازل عن أي جزء من الأرض اللبنانية، حيث تنص المادة الثانية منه على أن "لا يجوز التخلي عن أحد أقسام الأراضي اللبنانية أو التنازل عنه".
وهذا المبدأ يُعدّ ركيزة دستورية وطنية، ويعتبر أي محاولة للاقتطاع أو التنازل "خيانة" وخرقاً للميثاق الوطني وجرماً يُعاقب عليه القانون.
وهذه أبرز النقاط المتعلقة بالدستور والتخلي عن الأرض:
#المادة الثانية من الدستور (1926):
تنص بوضوح على أن "لا يجوز التخلي عن أحد أقسام الأراضي اللبنانية أو التنازل عنه".
#وحدة الأرض: تعتبر المادة الأولى أن لبنان دولة مستقلة ذات وحدة لا تتجزأ وسيادة تامة ضمن حدوده الحالية.
#التكييف القانوني: يعتبر التنازل عن أي جزء من الأرض خرقاً للدستور، ومحاولة اقتطاع جزء من الأرض لضمه إلى دولة أخرى تعتبر جناية بموجب قانون العقوبات اللبناني (المادة 277 و 302).
#القرى السبع والحدود: تم وضع هذه المواد لمنع أي تعديل في الحدود الجنوبية وسلخ أي جزء منها، كما أثيرت نقاشات تاريخية حول اتفاقيات (مثل اتفاق 1969).
#الأرض كحق وطني: يُنظر إلى جميع الأراضي، بما فيها المناطق المتنازع عليها كـ مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، كحق وطني جامع لا يجوز التنازل عنه.
والنتيجة تُعتبر حماية سلامة الأراضي اللبنانية التزاماً دستورياً شاملاً، ويُعدّ الدفاع عنها جزءاً لا يتجزأ من السيادة اللبنانية.
لقد استنفذت السلطتان الرئاسية والتنفيذية كل جهودهما في السنة الأولى من العهد لتنفيذ ما أقسم رئيس الجمهورية عليه؛ وما التزمت به في مقدمة البيان الوزاري أمام نواب الأمة : " نمثل أمامكم حكومة مُتضامنة، ومُلتزمة الدّفاع عن سيادة لبنان ووحدة أرضه وشعبه والعمل الجاد من اجل إخراجه من المِحن والأزمات……".
وقد أخفقت السلطتان في تنفيذ القسم والإلتزام بالدفاع عن لبنان والحفاظ على وحدة أراضيه.
ولم أصدق نفسي حي سمعت البيان الرئاسي :
" دان رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بشدّة الغارات التي نفّذتها إسرائيل ليل أمس من البرّ والبحر، واستهدفت منطقة صيدا وبلدات في البقاع، معتبرًا أنّ استمرار هذه الاعتداءات "يشكّل عملًا عدائيًا موصوفًا لإفشال الجهود والمساعي الدبلوماسية التي يقوم بها لبنان مع الدول الشقيقة والصديقة، وفي مقدّمها الولايات المتحدة، لتثبيت الاستقرار ووقف الأعمال العدائية الإسرائيلية ضد لبنان".
حضرة الرئيس هذا البيان ممتاز إذا جاء َمن رئيس دولة صديقة؛ ولكن أنتم رئيس البلاد؛ وكونكم القائد الأعلى للقوات المسلحة إنتظرت دعوتكم لعقد جلسة طارئة لبحث إعلان نتنيانهو عن نيته بعدم إنسحابه من المناطق المحتلة، وعزمه علی إنشاء منطقة عازلة دون تحديد مساحتها والعدوان اليومي المستمر.
فخامة الرئيس كنتم قائدًا للجيش يوم كان الإرهابيين التكفيريين يحتلون الجرود وينوون تأمين َمنفذ لهم على البحر ؛ ولم تتحرر تلك الجرود إلا بالتنسيق بين الجيش والشعب والمقاومة.
وإذا انتظرتم أن تعيد الديبلوماسية الأرض، والسيادة فأنتم واهمون. فالجنود ذبحوا حين تدخلت الوساطات والضََمانات في عرسال؛ وتحررت الجرود حين تم تطبيق منطق القوة فقط.
فخامة الرئيس إقرأوا التاريخ جيدًا لأخذ العبر؛ فالمقاومة أجبرت العدو على الإنسحاب حتى الحدود الدولية في عام 2000
دون قيد أو شرط.
وفي عام 2006 إنسحبت قوات الإحتلال في عتمة ليلة واحدة، وألزمتها الَمقاومة بعدم الإعتداء طيلة 18 سنة.
وأما في عهدكم فقد تجاوزات جرائم الحرب أكثر من 10,000 جريمة حرب، وأعلن نتنياهو مَنذ يومين عن نيته بإنشاء منطقة عازلة قابلة للتوسع.
أقترح فخامة الرئيس إن تقرأوا يوميا تهديدات وتصريحات نَتنياهو، قصة الطفل آلون ولبنان، سفر أشعيا وتصريحات السفير الأمريكي في الكيان المؤقت لتتيقنوا من مطامع الكيان المؤقت في لبنان وإنشاءمستوطنات حتى حدود نهر الأولي.
وبناءً عليه أطالب رئيسي الجمهورية والحكومة تقديم إستقالتهما؛ فمصلحة لبنان فوق كل إعتبار.
وإنَّ غدًا لناظره قريب
21 شباط/ فبراير 2026