إن الرغبة في النوم لفترات أطول وبوتيرة أكثر خلال فصل الشتاء ليست مجرد إحساس شخصي أو كسل موسمي، بل هي استجابة بيولوجية مثبتة علميا ناتجة عن قصر ساعات النهار. ويكمن أساس هذه الظاهرة في تغيّرات معقدة تحدث داخل الدماغ، وتحديدا في النواة فوق التصالبية، المعروفة بأنها «الساعة البيولوجية الرئيسية» للجسم بحسب موقع Наука Mail.
لماذا تؤدي العتمة إلى زيادة النعاس؟
يرتبط النعاس الشتوي ارتباطا مباشرا بما يُعرف بـ الفترة الضوئية، أي نسبة ساعات الضوء إلى ساعات الظلام خلال اليوم. فعندما تزداد فترات الظلام، يفسّر الدماغ ذلك على أنه إشارة لبدء الاستعداد للنوم.
تقوم الغدة الصنوبرية بدور محوري في هذه العملية، حيث تزيد من إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن تنظيم النوم. إلا أن فصل الشتاء يُحدث تغيرين رئيسيين:
1. إطالة فترة إفراز الميلاتونين
يبدأ إفراز الميلاتونين في وقت أبكر من المساء ويستمر حتى ساعات متأخرة من الصباح، ما يؤدي إلى حالة ممتدة تُعرف بـ "الليل الهرموني"، وهو ما يفسر الشعور المستمر بالنعاس.
2. انخفاض مستويات السيروتونين
يؤدي نقص ضوء الشمس إلى انخفاض إنتاج السيروتونين، وهو ناقل عصبي مهم لتنظيم المزاج واليقظة، كما يُعد مادة أولية لإنتاج الميلاتونين. ويؤدي هذا الانخفاض إلى زيادة الشعور بالخمول والفتور الذهني.
المعنى التطوري والنتائج العلمية الحديثة: ماذا تقول التجارب؟
تنظر الأبحاث العلمية إلى التغيرات الموسمية في النوم بوصفها آلية تطورية لتوفير الطاقة خلال الفترات التي تقل فيها الموارد الغذائية والحرارية.
وقد أكدت دراسات حديثة هذا التفسير، حيث أظهرت تجارب محكومة تحاكي ظروف الشتاء (10 ساعات ضوء مقابل 14 ساعة ظلام) النتائج التالية:
زيادة متوسط مدة إفراز الميلاتونين بنحو ساعة ونصف.
زيادة مدة النوم بمعدل 15 إلى 30 دقيقة مقارنة بنظام يحاكي فصل الصيف (16 ساعة ضوء).
كما أظهرت دراسات سكانية في مدن ذات فصول واضحة أن الأشخاص ينامون لفترات أطول خلال ديسمبر ويناير مقارنة بـ يونيو ويوليو، بغض النظر عن درجة الحرارة.
لماذا يكون التأثير أشد في المدن؟
رغم أن الضوء هو العامل الأساسي، إلا أن الحياة الحضرية تُفاقم من حدة النعاس الشتوي نتيجة عوامل إضافية، من أبرزها:
نقص الضوء الطبيعي حتى خلال النهار
العمل داخل المباني ذات الإضاءة الاصطناعية، التي تقل شدتها بمئات المرات عن ضوء النهار الطبيعي، يمنع الدماغ من إعادة ضبط الإيقاع اليومي بشكل صحيح.
اضطراب النوم بسبب الإضاءة المسائية
التعرض للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات في المساء يُربك الساعة البيولوجية ويؤخر إفراز الميلاتونين، مما يزيد من اضطراب النوم.
عوامل غير مباشرة
قلة النشاط البدني، التغيرات الغذائية، والتقلبات المزاجية الموسمية، جميعها تؤثر سلبًا على جودة النوم وبنيته.
هل يمكن التكيف؟ الحل في الضبط لا في المقاومة
من الصعب إلغاء الإيقاعات الموسمية بالكامل، إلا أن الخبراء يؤكدون إمكانية تحسين جودة النوم وزيادة اليقظة خلال الشتاء من خلال خطوات بسيطة:
1. تنشيط ضوئي صباحي
المشي لمدة 30 دقيقة صباحا، ويفضل قبل الساعة 12 ظهرا، حتى في الأجواء الغائمة، يساعد على تثبيط بقايا الميلاتونين وضبط الساعة البيولوجية.
2. تقليل الإضاءة مساءً
ينصح بتقليل التعرض للضوء الساطع والشاشات قبل النوم بـ ساعة إلى ساعة ونصف لتسهيل بدء إفراز الميلاتونين الطبيعي.
3. الالتزام بروتين ثابت
النوم والاستيقاظ في نفس التوقيت يوميًا يُعد من أكثر الطرق فعالية للحفاظ على استقرار الإيقاع اليومي، حتى مع قصر النهار.
النعاس في فصل الشتاء ليس علامة ضعف أو كسل، بل هو انعكاس لإيقاعات بيولوجية قديمة متجذرة في تطور الإنسان. وفهم هذه الآليات العلمية يساعد على التكيف مع الموسم بذكاء، بدلا من مقاومة طبيعة الجسم.