رغم أن التهابات المسالك البولية تُعد غالبا مشكلة صحية بسيطة لكنها مؤلمة لدى معظم الأشخاص، فإنها قد تشكل خطرا صحيا كبيرا لدى كبار السن، خصوصا المصابين بمرض Alzheimer's disease وأنواع أخرى من الخرف.
ففي هذه الفئة العمرية، يمكن لعدوى شائعة في المسالك البولية أن تؤدي إلى حدوث الهذيان، وهو حالة طبية طارئة تتميز بارتباك مفاجئ وتغير في مستوى الوعي. وقد يؤدي هذا الاضطراب إلى تسريع التدهور المعرفي، كما يُساء تشخيصه في كثير من الأحيان باعتباره حالة عصبية مزمنة، مما يؤخر الحصول على العلاج المناسب.
دراسة حديثة تكشف العلاقة بين العدوى ووظائف الدماغ
في مراجعة علمية حديثة نُشرت في مجلة Alzheimer's & Dementia، بحث علماء من Cedars-Sinai Medical Center تأثير الهذيان الناتج عن التهابات المسالك البولية على وظائف الدماغ، وسبب زيادة قابلية المصابين بالخرف لهذه المضاعفات، وأهمية الكشف المبكر والتدخل السريع.
وأوضح الباحثون أن العلاقة بين الخرف والعدوى تُشكل دائرة مفرغة، إذ يزيد الخرف من خطر الإصابة بالعدوى، بينما يؤدي الهذيان المرتبط بالعدوى إلى تسريع التدهور المعرفي.
كيف تسبب التهابات المسالك البولية اضطراب الدماغ؟
أظهرت الدراسات أن العدوى في المثانة تؤدي إلى إطلاق إشارات التهابية في مجرى الدم. وتنتقل هذه الإشارات إلى الدماغ، حيث تؤثر في وظائفه الطبيعية، مما يؤدي إلى حدوث الهذيان واضطراب الإدراك.
ويُعد كبار السن أكثر عرضة لهذه المضاعفات لأن الدماغ لديهم يكون أقل قدرة على مقاومة الضغوط الفسيولوجية.
ولا تقتصر هذه التأثيرات على التهابات المسالك البولية فقط، إذ يمكن لأي عدوى جهازية مثل الالتهاب الرئوي أو عدوى الجهاز الهضمي أو التهابات الجلد أن تسبب التهابا عاما يؤثر في الدماغ ويؤدي إلى ارتباك حاد.
لماذا يزداد خطر العدوى لدى مرضى الزهايمر؟
يواجه المصابون بالخرف تحديات في الحفاظ على النظافة الشخصية، إضافة إلى تغيرات هرمونية مرتبطة بالتقدم في العمر تزيد من احتمالية الإصابة بالعدوى. كما قد يضعف الإحساس لديهم، ويصعب عليهم التعبير عن الأعراض المعروفة مثل الشعور بالحرقان أو الحاجة الملحة للتبول، مما يؤدي إلى تأخر التشخيص والعلاج.
وتشير البيانات إلى أن الهذيان لدى الأشخاص غير المصابين بالخرف يزيد خطر الإصابة بالخرف لاحقا بنحو ثلاثة أضعاف، كما أن تكرار نوبات الهذيان يرفع هذا الخطر أكثر.
تدهور مفاجئ في أعراض الزهايمر
قد يؤدي التهاب المسالك البولية إلى تدهور معرفي سريع يبدو وكأنه تفاقم مفاجئ لمرض الزهايمر. إلا أن الفرق الأساسي يكمن في سرعة حدوث الأعراض، إذ يتطور الزهايمر تدريجيا، بينما يظهر الهذيان بشكل مفاجئ خلال ساعات أو أيام.
ويعتقد الباحثون أن الالتهاب الناتج عن العدوى يضع ضغطا إضافيا على الدماغ، ما قد يؤدي إلى تفاقم الأعراض وربما حدوث ضرر دائم في بعض الحالات.
هل يمكن علاج الهذيان الناتج عن العدوى؟
يوفر العلاج المبكر أفضل فرصة للتعافي. فعند تشخيص التهابات المسالك البولية وعلاجها بسرعة باستخدام المضادات الحيوية، قد تتحسن أعراض الهذيان أو تختفي. ومع ذلك، قد تستمر بعض التأثيرات المعرفية أو تصبح دائمة في بعض الحالات، مما يبرز أهمية الكشف المبكر.
وبسبب غياب الأعراض البولية الواضحة لدى بعض كبار السن، يوصي الخبراء بالاعتماد على الملاحظات السريرية والفحوصات المخبرية للبول والدم لتشخيص العدوى بدقة.
كيف يميز مقدمو الرعاية بين الهذيان وتطور الخرف؟
يُعد التغير المفاجئ في الحالة الذهنية أهم علامة تحذيرية. فالخرف لا يؤدي عادة إلى تدهور حاد وسريع. وإذا لاحظ مقدمو الرعاية ارتباكا شديدا أو انخفاضا في اليقظة أو تغيرا ملحوظا في السلوك، فقد يشير ذلك إلى الهذيان.
كما ينبغي الانتباه إلى:
تغير نمط التبول أو سلس البول
الألم أو عدم الراحة
تغير لون البول أو رائحته
خطوات الوقاية وتقليل المخاطر
يمكن لمقدمي الرعاية اتخاذ عدة إجراءات للحد من خطر الإصابة، مثل:
الحفاظ على النظافة الشخصية الجيدة
ضمان شرب كميات كافية من السوائل
مراجعة الطبيب عند تكرار العدوى
متابعة أي تغير مفاجئ في الحالة الذهنية
التدخل الطبي المبكر قد يحدث فرقا كبيرا في النتائج الصحية.
هل تؤثر هذه العدوى في أمراض عصبية أخرى؟
نعم، فمرض Parkinson's disease يُعد مثالا بارزا. إذ يعاني العديد من المرضى من صعوبة في إفراغ المثانة بشكل كامل، مما يزيد خطر العدوى. وقد تؤدي التهابات المسالك البولية إلى تفاقم أعراض الحركة لديهم، كما تؤثر في الإدراك لدى مرضى الزهايمر.
أبحاث مستقبلية لتطوير العلاج والتشخيص
يعمل الباحثون حاليا على تطوير أدوية تستهدف المسارات الالتهابية المرتبطة باضطراب وظائف الدماغ الناتج عن العدوى، بهدف إدخالها إلى التجارب السريرية. كما يجري العمل على تحسين طرق التشخيص لاكتشاف العدوى لدى المرضى الذين لا تظهر لديهم الأعراض البولية التقليدية.