اثبتت الهزائم التي الحقتها اسرائيل بالعرب جسامة المخاطر التي ينطوي عليها الاسلوب التجريبي والتجريدي. وأن مواجهة المستقبل العربي بغير نظرية حماقة خرقاء. لقد اغرانا نجاحنا العرضي بالاصرار على عدم الالتزام العقائدي،والهانا عن المخاطر التي كانت تنتظر مسيرتنا . فاذا بنا نتبين في اسواء ملاءمة للتراجع انه كان نجاحا مؤقتا ومحدودا ، وان الحساب الختامي للمسيرة غير العقائدية كان خسارة فادحة.
شهدت مرحلة الخمسينيات من القرن الماضي وما بعدها اغراق الوطن العربي بكتب وكتابات. كثيرة الصفحات، ضخمة الكلمات، عالية النبرات، عن القومية العربية ،والوحدة، والاشتراكية. الوحدة لتغيير واقع التجزئة، والاشتراكية بديل لهيمنة فئة اجتماعيه على خيرات الامة. على الرغم من وصول حزب البعث إلى السلطة في العراق وسورية الذي كان شعاره ( امة عربية واحدة ، ذات رسالة خالدة ، وحدة ،حرية، اشتراكية ) ، الا ان الحزب فشل في بناء، واقامة الحد الادنى
في التعاون المشترك بل ان علاقة الطرفين حكمها ما صنع الحداد ، وتم اعدام البعثيين العراقيين الذين كانوا مع وحدة القطرين العراق وسورية . لم يتغير الواقع .السؤال من الذي فشل في تغيير الواقع ؟ الأحزاب السياسية ام إن المجتمع والناس يرفضون تغيير واقعهم ؟ ان تغيير الواقع يتطلب من المجتمع قابلية الانضباط في حركته من الماضي السيء الى المستقبل المنشود. بقوانين ونواميس حتمية معروفة أو يمكن معرفتها . ان مصدر الاشكالية هو التناقض بين هذا الانضباط بالقوانين الحتمية، وحرية الإرادة الانسانية. ان العقل العربي الذي لم يفارق القبلية والعشائرية لا يمكن ان ينضبط ويخضع لقوانين نواميس العصر. وعليه فإن الفشل يقع على عاتق الاحزاب والناس معا .
وعطفا على ما تقدم فإن النظام الرسمي العربي القائم على التجزئة القطرية
عمد إلى ترسيخ سلطته بالحفاظ على القبلية والعشائرية من جهة، وتغذية روح القطرية المغلقة وانتماء العشائر والقبائل اليها وحدها. ومع مرور الوقت تطورت هذه القطرية إلى قومية شوفينية متطرفة. تم ترجمتها بشعار (( الـ ... اولا))، وتبدد حلم الوحدة لعربية وحلت محلها القطرية القائمة حاليا. وارتفعت جدران الحدود بين الأقطار العربية واختفت من قاموس اللغة السياسية مصطلحات ( المصالح الاقتصادية المشتركة) . وبناء الوحدة من خلال التعاون الاقتصادي.وبما ان الكيان الصهيوني احد اهم
وظائفه الحفاظ على التجزئة ،صار من السهل عليه أن يتوسع في الارض العربية ،بعد ان اخذ صك اعتراف الفلسطينين بحقه في امتلاك ارضهم،والسيطرة عليهم، وحصرهم في جيتو پشبه جيتو وارسو الذي أقامته النازية لليهود. وبلغ عدد القاطنين فيه عام ١٩٤١ حوالى نصف مليون يهودي يعيشون في رقعة صغيرة حولها حائط ارتفاعه ثمانية اقدام. وكان للجيتو مؤسساته المستقلة الخاصة به، أي أن الجيتو كان بمثابة دولة صغيرة منعزلة ثقافيا واقتصاديا عما حولها. ولكن استقلالية الدويلة / الجيتو لم تكن كاملة. في الوقت الذي كانت فيه الجيتوات تاخذ شكل مناطق قومية ينطلق من تصور استقلال اليهود كشعب عضوی منبوذ له شخصيته القومية المستقلة الخاصة به ،اي ان الجيتو كان بمثابة دولة منعزلة ثقافيا واقتصاديا عما حولها.فالوضع الفلسطيني الان هو النسخة الاسرائيلية المعدلة عن جيتوات وارسو،ولودز، وريجا في بولندا،وجيتو تيريس اينشتات ( تيريزن ) في تشيكوسلوفاكيا .
بعد ان تنازل ممثلونا وزعماءنا عن حقنا في الأرض، والتسليم بحق الكيان الصهيوني في الوجود الأمن في الارض وشرعية وجوده في الاقليم. ومن سخرية القدر ان الجيتو الفلسطيني تقع على عاتقه مهمة توفير الامن والأمان للكيان ومستوطنيه في الضفة الغربية.والادهى والامر من ذلك كله ان معظم فلسطيني الضفة الغربية يعيشون على وهم الاستقلال والحرية.وتطورت لديهم فوبيا من النصر،وكره للمنتصرين. وخاصة انتصارات حزب الله المتتالية في لبنان بدا من انتصار ايار عام ٢٠٠٠ و انتصار عام ٢٠٠٦ وانتصار عام ٢٠٢٤ على الحافة الجنوبية للبنان والانتصار الحالي في معارك البطولة والشرف الوطني في جنوب لبنان. هذه الفوبيا جعلتهم يطلقون على حزب الله (حزب الشيطان ) وبدل أن يحملوا مسؤولية الابادة والتطهير العرقي لاسرائيل الصهيونية في قطاع غزة وخرابه وتدميره، لدولة اسرائيل القوها على فصائل المقاومة في غزة.ويرددون على السنتهم عبارات عن السابع من اكتوبر وطوفان الاقصى.بكلمات يخجل منها المعجم .وويل لمن يزجرهم وينهاهم عن استخدام هذه العبارات التي لا تليق بحق الدم الفلسطيني الطاهر المسفوح على -
ارض غزة
هذا حال الفلسطيني،الذي كانت اجياله السابقة فلسطينية الانتماء الوطني،وقومية الهوى،والداعية الى،والمناضلة من اجل فلسطين الديموقراطية،والعلمانيةالممتدة من النهر شرقا الى البحر غربا.حول قادته الاجيال الحالية الى مجرد ناس يستمرؤون العيش في الجيتو.ولا يعرفون ما يخبئه القادم من الايام.
مهندس/ زياد ابو الرجا