من نشوة الإنتصار إلى لعنة التاريخ
مقالات
من نشوة الإنتصار إلى لعنة التاريخ
وائل المولى
5 كانون الثاني 2026 , 05:39 ص

ماجرى منذ يومين و‏اعتقال رئيس دولة بالقوة الأجنبية وتهديد رؤساء آخرين ليس مجرد دليل قوة، بل لحظة غرور تاريخي سبق وأن جرى في عهود سابقة .

و الإمبراطوريات التي تصل لذروة سلطتها تميل إلى الاعتقاد أن القانون خُلق لغيرها، وأن القوة تعفيها من الحساب. ولكن التاريخ يعلمنا أن الانتصارات السهلة ليست مجدا، بل لعلها تكون بداية الانحدار.

الحادثة سابقة تضاف لسوابق حصلت مع رؤساء ‏اعتقلوا من نورييغا في بنما، إلى صدام حسين في العراق، وصولا إلى الفنزويلي نيكولاس مادورو، يتكرر المشهد قوة عظمى تستخدم اعتقال الرؤساء كإنجاز، وتغفل أن كل انتصار سريع يزرع أعداء أكثر مما يحقق استقرارا.

‏ما يحدث اليوم في فنزويلا يكشف المنطق الجديد للولايات المتحدة بقيادة ترامب (سنحصل على كل مانريد ولو بالقوة ) 

‏وعلى ذات النهج يسير نتنياهو في الشرق الأوسط لم يعد هناك مكان للعب السياسي النظيف . الهيمنة والقوة هي الأساس، والمشروع الاستراتيجي قائم على تغيير خرائط وموازين القوى، في الشرق الأوسط، وأمريكا اللاتينية، وكل دولة لديها ثروات.أو موقع جيوسياسي هام هذه المعادلة تمثل ولادة منطق دولي جديد، حيث تُدار العلاقات بالقوة المباشرة، بعيدا عن القانون الدولي والتوازن التقليدي.

‏الصين، في هذا المنطق، هي المتضرر الأكبر. والسؤال الأهم: كيف سترد؟ هل سيقتصر ردها على الدبلوماسية والحسابات الاقتصادية، أم أن الهيمنة الجديدة ستجبرها على إعادة رسم استراتيجياتها على نطاق عالمي؟

‏وتركيا تضررت كثيرا بسبب علاقتها الاقتصادية الخاصة مع فنزويلا وكذلك بالأمر بالنسبة لإيران وروسيا حيث العلاقات المشتركة قوية في كافة المجالات .

ولكن ‏التاريخ يقدم درسا صارخا الإمبراطور الروماني أورليان اعتقل زنوبيا ملكة تدمر وساقها أسيرة إلى روما. بدا أن القوة الرومانية بلغت ذروتها، لكن أورليان اغتيل بعد سنوات قليلة، ولم تنقذه انتصاراته السريعة من مسار الانحدار الطويل للإمبراطورية وهو الذي أسس لهذا الانهيار .

‏الدرس واضح الإمبراطوريات لا تسقط أمام خصم قوي فقط، بل حين تعتاد الانتصار السهل، وتمزج بين الهيبة والقسر، وبين الشرعية والخوف. القوة تتحول من حماية إلى عبء، ومن استقرار إلى سبب دائم للصراع.

‏الرسالة اليوم واضحة العالم يُدار بمنطق الغالب والمغلوب. وكل من يعتقد أنه فوق التاريخ يكتشف متأخرًا أن التاريخ لا ينسى، ولا يغفر.

‏يبقى السؤال الحاسم هل ستتعظ هذه القوى من التاريخ، أم ستدفعها نشوة الانتصارات السهلة إلى تكرار أخطاء من سبقوهم، حتى يسقطوا كما سقطوا..؟