عبد الحميد كناكري خوجة: حين جعلوا الصديق الشقيق عدوا...والعدو الغاصب صديقا شقيقا.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: حين جعلوا الصديق الشقيق عدوا...والعدو الغاصب صديقا شقيقا.
عبد الحميد كناكري خوجة|كاتب من سورية
9 كانون الثاني 2026 , 12:07 م


لم يكن الانقلاب في المواقف وليد لحظة طيش، بل ثمرة مسار طويل من تشويه البوصلة وقلب المعايير؛ حيث ألبس الصديق الشقيق ثوب العداوة، ومنح العدو الغاصب صك الاخوة الزائفة. في هذا المشهد المقلوب. لاتختلط الحقائق عبثا، بل تدار الخديعة بوعي، وتسوق الخيانة بوصفها ”واقعية سياسية", فيما يجرم الثبات ويحاصر الصدق.

حين تقلب المعايير رأسا على عقب، يصبح الوفاء تهمة، والإغتصاب شراكة، ويدفع الصديق الشقيق إلى خانة العداء، بينما يلمع العدو الغاصب برداء الأخوة، إنها لحظة سقوط الأقنعة...لا اختلاف في الروايات.

حين تقلب القيم، يعادى الصديق الشقيق، ويصافح العدو الغاصب؛ فتجرم الحقيقة، وتسوق الخيانة، ويزيف الوعي باسم السياسة...

نعم إنه انقلاب القيم: صديق شقيق يعادى، وغاصب يؤاخى، ووعي يغتال.

حين يختبر التاريخ ضمائر الدول: ثبات يقرأ في كتاب السماء، وصبر يقاس في ميزان الجغرافيا، ودعم لايساوم للقدس، في مقابل مصافحات باردة مع مغتصب المقدسات.

”قراءة في ثبات المبدأ، وصبر الدولة، وانكشاف الأقنعة، حين يقايض الحق بالمصافحة، وتستبدل البوصلة بمرآة المصالح".

ليست المواقف العظيمة وليدة الإنفعال، بل ثمرة وعي إستراتيجي وصبر تراكمي، وحكمة تدار بعقل الدولة لا بنزق اللحظة. هكذا يمكن قراءة مسار الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومنذ إنتصار ثورة 1979 على الطغيان والخنوع والخضوع للمصالح الإستعمارية, مسار يقرأ لا كشعار عابر، بل ك براديغم سياسي_ أخلاقي متماسك، ظل وفيا لقضايا الحق، وفي مقدمتها المسجد الأقصى المدنس بأقدام الغاصب وقدس الأقداس وعن القرآن الكريم في كل مرة يتعرض فيه للإساءة وعن المقدسات الإسلامية في الأرض المحتلة بوصفها جوهر الصراع لا هامشه.

منذ انتصارها: طهران، وضعت كتاب الله القرآن الكريم بوصلة لازينة خطابية؛ فكان الدعم للمستضعفين فعلا لا ادعاء، وموقفها من فلسطين ”القضية المركزية التي يقع عاتقها على العرب أولا". موقفها من هذه القضية من ترجمة لقوله تعالى وهو خير القائلين: { ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين}. وقد اعترف قادة الميدان، المدافعون عن تراب القدس الطاهر بأن هذا الدعم كان الأثقل وزنا، والأصدق أثرا، والأبعد عن المقايضة. فصل كامل في كتاب المقاومة يكتب بالحبر لا بالحبر السري.ورغم الحصار المركب والحرب الناعمة والعقوبات ذات الطابع الجيوإقتصادي، ومحاولات التفكيك عبر ماسمي ب” الفوضى الخلاقة " أظهرت طهران قدرة لافتة على إدارة الأزمات بعقل بارد ونفس طويل، جامعة بين الصبر التكتيكي والحنكة الاستراتيجية دون التفريط بثوابتها أو الإنجرار إلى استفزازات مدروسة لإشعال الإقليم.

في الجهة المقابلة ومع الأسف الشديد شهدنا انقلابا قيميا صادما: اياد تمد في العلن لمصافحة عدو الأمة الحقيقي عدو الإنسانية مغتصب الأقصى، ومدمر الجغرافيا السورية ومغتصب الجنوب السوري ومرتكب الفظائع في قطاع العزة. حيث لم تفرق آلة الإجرام بين رضيع وراكع. كل ذلك تحت مظلة ضوء أخضر من حكومة الطاغوت الأكبر وبتمويل مالي هائل يتدفق من عوائد نفطية وطقوس عبادية كان الأولى بها أن تستثمر في نهضة شباب وشابات العروبة والإسلام.

إن الإمعان في التوسع، والإعلان الوقح عن عدم الانسحاب من الاراضي المحتلة لجنوب أرض الأبجدية الأولى، ليسا سوى تتويج لجينالوجيا عدوان بدأت مع إعلان كيان اصطناعي بلا شرعية، كيان بمثابة ورم خبيث أو غدة سرطانية أصابت الجسد العربي منذ الوعد المشؤوم واستمرت بتواطؤ صامت أو مقنع.

أمام هذا المشهد، تبرز الحاجة إلى تحالف شرفاء عابر للخرائط: من أنقرة إلى موسكو، ومن بكين إلى بيونغ يانغ، مرورا بهافانا وطرابلس. وصنعاء وبغداد وبيروت وحكومة أرض الأبجدية الأولى إن كانت حقا تخشى على مصالح شعبها العظيم من دنس الغاصب وتغار على حرمة ترابها الوطني الجنوبي المحتل. وكذلك فليستمر التحالف العظيم الذي بدأت تتشكل ملامحهه من جنوب افريقيا وباكستان العظيمة وبلدان كثيرة أخرى وكل شرفاء وأحرار العالم؛ لتحرير السياسة الدولية من آحاديتها، وبناء نظام متعدد الأقطاب يعيد الحقوق لأصحابها، ويؤسس لسلام عالمي عادل، لا سلام المقابر. من هنا لا اصطفاف أعمى ولا شيطنة مجانية؛ بل قراءة واعية: من ثبت على احترام التاريخ، ومن بدل البوصلة خسر نفسه قبل أن يخسر أمته.

عبد الحميد كناكري خوجة: مفكر كاتب حر، فنان وطني شامل وإعلامي سابق في الخارج.

الأكثر قراءة وطنٌ الأرز والكرامة في مهب الريح‎
وطنٌ الأرز والكرامة في مهب الريح‎
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً