بعد فشل ثورة ١٩٠٥ في روسيا، كتب مكسيم غوركي قصة "الأُم". التي قال عنها لينين: "إنّها الروايةُ التي أعادتْ تحفيزَ الناسِ لِلثّورة، ورفعت عنهم إحباطَهم".
- من هُنا نرى أنّهُ في الظروف المعقدة، وفي أيِّ صراعٍ أُمميٍّ يأتي دورُ المثقَّف الواجبُ تجاهَ أُمّته، في تبيانِ عناصرِ القوةِ في مجتمعِه، بحيثُ يُبرِزُ الرّكيزةَ الأساسيّةَ للنهوضِ ومواجهةِ التحديات، كما يكشِفُ عن أبعادِ هذهِ التحدياتِ،وترابطِها،وحدود تأثيرِ كلِّ بُعْدٍ منها، سلبا وإيجابا.
وأبرزُ ما كشفَتْهُ حربُنا هذه-التي لم تنتهِ بعدُ- أنَّ الرهانَ على قانونٍ دَوْلِيٍّ وحقوقِيّ، هو مجردُ وَهْمٍ تُبَدِّدُهُ المصالحُ الدَّوْلِيَّةُ، بِتَشَعُّباتِها وتناحُرِها.
وأنَّ العولمةَ لا تَعْني، في حالٍ مِنَ الأحوالِ،وجودَ نظامٍ عالَمِيٍّ واحدٍ يَحْتَكِمُ إليهِ الجميع. بل هي تَعني أنَّ الفواصلَ الجغرافيةَ والحدودَ السياسيةُ تفقدُ أيَّ قيمةٍ لها، تَبْعاً لمصالحِ الدولِ وغاياتِها، بعيدةً كانت أو قريبة.
اما في خصوصِ التَّحدِّي المُباشرِ الذي يُمَثِّلُهُ الكِيانُ الصِّهيوني الِاستِعماري الاستيطاني المُحتلِّ فِلَسطين، فقدتعرَّضَ ولِلمَرّةِ الأولى مُنْذُ تأسيسِه إلى تهديدٍ وُجوديٍّ لايُمًْكِنُهُ أن يتعايشَ مَعَهُ، وهو لا يَتَقَبَّلُ تَسْوِياتٍ مؤقتةً، على غِرارِ ما كانَ يَحْصُلُ سابِقاً، وخُصوصاً لِناحِيَةِحَساسِيَّتِهِ تجاهَ أسراهُ ومفقودِيه الّذين اصبحوا ثمناً بخساً مُقارنةً بإزالةِ التَّهديدِ الوُجُودِيّ، ليس فقط بِما يُمَثِّلُهُ لِذاتِهِ كَكِيان، إنَّما أيضاً لِما تَرْتَكِزُ عليهِ منظومةُ النَّهْبِ والْهَيْمَنَةِ الدَّولِيَّةِ على المنطقة.
كما تَبَيَّنَ أنَّ في هذِهِ المنطقةِ خميرةً لا تزول، وهي تَمْتَدُّ مِنَ المُحِيطِ إلى الخليج، لِأُمَّةٍ جديرةٍ بالحياةِ وقِيمَةٍ حضارِيَّةٍ وتاريخيةٍ تُوازي، ان لم نَقُلْ: تَفُوقُ قِيمَتُها الأُمَمَ الأُخرى، رغمَ حالةِ التَّجْزِئَةِ وحَبْسِ تَنامِيها وتَطَوُّرِها مُنْذُ قرون؛ وتَتَحَكَّمُ في كِياناتِهاأدواتٌ رخيصةٌ تُغَطِّي نهب مواردها، وتُشارِكُ فيه، وهيَ مَدْعُومَةٌ من المستعمرين والمهيمنين، على المنطقةِ ومحكومةٌ منهم.
ويبقى الأخطرُ والسببُ الرَّئيسيُّ في حالةِ الِاسْتِسْلامِ السَّائِدَةِ هو نُخْبةُ المُثَقَّفِينَ الذينَ تَمَّتْ برمجةُ ثقافَتِهِم بِالعداءِللموروثِ التّارِيخِيّ لِأُمَّتِهِم، وتَبَنِّي قراءاتِ المستعمرينَ وتوصيفاتِهِم،لِكي يتماهُوامعهم،في تنفيذِ مُخطّطاتهم.
وهؤلاءِ المُثقّفونَ كانوا، لِقَرْنٍ مِنَ الزَّمنِ وأكثر، يتصدَّرونَ حركةَ التَّحرُّرِ العربيةَ و هم قادُوها إلى الهزائِمِ بِاستمرار، وتَبَنُّوا أيْدْيُولُوجِيّاتِ "الموضة الفكرية" بِكُلِّ أصنافِها،وبدَلَ أن يَبنواإرْثَهُمُ التّارِيخِيِّ الحَضَارِيَّ تَرَكوهُ لِتَتِمَّ إعادةُإنتاجِهِ وفقَ ما يشتهي المستعمرونَ أنفسُهُم، والّذينَ صنعوا مسيحيةً وإسلاماً يناسبانِهِم ويخدمان مشاريعَهُم للتّجزِئةِ والتّقسيم والتَّفتيت.