إيران :بين الأمس واليوم... إلى أين؟, 45 عامًا من الثورة وتحديّات الصمود.
مقالات
إيران :بين الأمس واليوم... إلى أين؟, 45 عامًا من الثورة وتحديّات الصمود.
موسى عباس
10 كانون الثاني 2026 , 10:07 ص


كتب الأستاذ موسى عباس,,

منذ انفجار الثورة الإسلامية عام 1979، رسّخت إيران لنفسها مسارًا فريدًا في الساحة الدولية، متخذةً مبدأ "لا شرقية ولا غربية" شعاراً لها. على مدى خمسة وأربعين عامًا، واجه هذا الكيان السياسي تحديات غير مسبوقة، من حرب الثماني سنوات إلى حصار اقتصادي خانق يُعد من الأطول والأقسى في التاريخ المعاصر. في خضم هذه التحديات، يبقى السؤال الجوهري الذي يطرحه المتابعون:

ما هو سر هذا الصمود الممتد؟ والأهم: إلى أين المسير؟

أولاً: صراع الإرادات.. هل يسقطها المتآمرون؟

بعد أربعة عقود ونصف من الضغط، تحوّل الحصار الاقتصادي إلى أداة جيوسياسية صريحة تهدف إلى "تغيير النظام" عبر توليد السخط الداخلي. إن الرهان الغربي والصهيوني يقوم على أن هذا الضغط سيؤدي حتماً إلى إسقاط النظام على يد "المتآمرين والمشاغبين" الداخليين.

هنا يتدخل السؤال الحاد حول الدور الخارجي:

هل سيقوم الكيان الصهيوني أو حاكم أمريكا الذي تفوّق بعنجهيته ووقاحته على "هتلر" بمساندة المتآمرين اعتقاداً منهم بأنهم بذلك سيسرّعون بإسقاط النظام؟

الواقع يؤكد أن هذا الاعتقاد هو حجر الزاوية في الاستراتيجية المشتركة. تقوم هذه الاستراتيجية على العمل على جبهتين:

1. الضغط الأقصى (الولايات المتحدة): عبر العقوبات لتعميق الأزمة المعيشية وتحويل السخط إلى حركة احتجاجية قادرة على الإطاحة بالنظام.

2. التخريب والاستنزاف عملاء الكيان الصهيوني:

3. ⁠عبر العمليات الاستخباراتية واغتيال العلماء وشل القدرات التكنولوجية والعسكرية، مما يزيد من شعور النظام بالضعف الداخلي.

ولكن، رغم هذه الجهود، يبرهن النظام الإيراني على قدرة فائقة على الصمود وإعادة التموضع، مستخدماً هياكله الأمنية والشبكات الشعبية لمواجهة الاضطرابات، معتبراً أن أي اضطراب داخلي هو مؤامرة خارجية يجب مقاومتها بوصفها واجباً وطنياً للحفاظ على كيان الدولة.

ثانياً: تحدي محور المقاومة :

تعتبر طهران نفسها رأس حربة في مواجهة الهيمنة الغربية والصهيونيّة، وتجسّد ذلك في رعايتها ودعمها لحركات "محور المقاومة" في مناطق النزاع الرئيسية: من فلسطين ولبنان إلى العراق واليمن . هذا الدور الإقليمي هو السبب الرئيس وراء العداء المباشر والمستمر.

فهل تُسقِط إيران الداعمة للشعوب المستضعفة غرف عمليات الموساد والـمخابرات المركزيّة الأمريكية وبعض أجهزة المخابرات العربيّة المتصهينة؟

إن المعركة هنا هي "حرب الظل" التي تخاض في عمق المنطقة.

الرهان الصهيوني والغربي هو على إضعاف إيران إقليميًا عبر ضرب وكلائها ومحاولة عزلها دوليًا. لكن إيران، بدلاً من الانهيار، نجحت في بناء عمق استراتيجي يمنحها أوراق ضغط قوية تجعل استهدافها محفوفاً بالمخاطر، ويقلل من فعالية العمليات الاستخباراتية كوسيلة لقلب نظام حكم لدولة بهذا الثقل. إن كل ضربة توجه للمحور، تستدعي رد فعل يهدف إلى إثبات معادلة الردع والحفاظ على شبكة النفوذ.

ثالثاً: العلم في وجه الجهل.

بعيداً عن المعارك السياسية، برزت إيران كقوة علمية وتكنولوجية، حيث استثمرت بشكل هائل في بناء قاعدة معرفية قوية. ورغم الحصار، حققت إنجازات لافتة في مجالات متقدمة مثل تكنولوجيا النانو، والبيولوجيا، والبرنامج الصاروخي والنووي.

فهل تسقط إيران العِلْم والعلماء على يد الجهلاء؟

المعركة هنا هي معركة هوية ومستقبل. إن قوة إيران العلمية تترجم إرادة الدولة في تحقيق الاكتفاء الذاتي الاستراتيجي كضمانة للصمود. إن "الجهلاء" هنا قد لا يُقصد بهم فقط الأفراد غير المتعلمين، بل التيارات الفكرية التي تنادي بالتبعية أو التخلي عن المشروع الوطني لصالح الانسياق خلف الأجندات الغربية.

نجاح إيران في المدى الطويل يتوقف على قدرتها على تحويل هذا التفوق العلمي إلى رفاهية اقتصادية ملموسة. فما لم يستفد المواطن العادي من ثمار العلم والتقدم، فإن حالة اليأس والسخط قد تُستغل من قبل تلك التيارات لتغذية الاضطراب الداخلي، وبذلك يصبح العلم نفسه عرضة للهزيمة أمام الإحباط واليأس.

— مسار القوة الإقليمية:

إن إيران اليوم هي حصيلة لـ 45 عاماً من الصراع المتواصل، وهي قوة إقليمية محورية يصعب إسقاطها بضربات موضعية أو ضغوط اقتصادية فقط.

سؤال "إلى أين؟" يقودنا إلى استنتاج مفاده أن مستقبل إيران يتوقف على قدرتها على الموازنة بين:

1. ثباتها العقائدي والإقليمي كقائدة لمحور المقاومة.

2. ضرورة الإقدام على إصلاحات داخلية جذرية لتحسين الظروف المعيشية واستيعاب تطلعات الأجيال الجديدة.

طالما ظلت هذه الدولة قادرة على توليد القوة من داخلها (العلم) وعلى بسط النفوذ خارجها (المقاومة)، فإن مسارها سيبقى نحو ترسيخ مكانتها كلاعب أساسي لا يمكن تجاهله في الشرق الأوسط، متجاوزة بذلك كل محاولات الإسقاط الخارجي والداخلي.