اكتشاف علمي يسلّط الضوء على أسباب خفية للعمى
دراسات و أبحاث
اكتشاف علمي يسلّط الضوء على أسباب خفية للعمى
10 كانون الثاني 2026 , 14:29 م



توصل باحثون من المركز الطبي لجامعة رادبود في هولندا، بالتعاون مع جامعة بازل في سويسرا، إلى اكتشاف أسباب جينية جديدة للعمى الوراثي. وأظهرت الدراسة، المنشورة في مجلة Nature Genetics، أن تغيّرات في أجزاء محددة من الحمض النووي تلعب دورا مهما في معالجة المعلومات الجينية، ويمكن أن تؤدي إلى الإصابة بمرض التهاب الشبكية الصباغي.

مرض نادر بتأثير واسع

يُعد التهاب الشبكية الصباغي من أمراض العيون الوراثية، ويصيب نحو شخص واحد من كل 5,000 حول العالم. ويؤدي المرض إلى ما يُعرف بـ"الرؤية النفقية"، وغالبا ما يتطور لاحقا إلى العمى القانوني.

ويمثل هذا الاكتشاف تقدما مهما لعشرات العائلات حول العالم، حيث يوفّر تفسيرا علميا دقيقا لحالات كانت أسبابها مجهولة، كما يفتح آفاقا جديدة في التشخيص الوراثي والاستشارات الطبية.

كيف يؤثر التهاب الشبكية الصباغي على البصر؟

التهاب الشبكية الصباغي (RP) هو اضطراب تتدهور فيه تدريجيًا الخلايا العصوية والمخروطية في شبكية العين.

ويبدأ المرض عادةً بـ:

ضعف الرؤية الليلية

ثم تضييق مجال الرؤية (الرؤية النفقية)

وقد ينتهي في بعض الحالات بفقدان البصر الكامل

لغز جيني محيّر

رغم أن العلماء حدّدوا أكثر من 100 جين يمكن أن يسبب التهاب الشبكية الصباغي، فإن السبب الجيني يظل غير معروف لدى 30 إلى 50% من المرضى، حتى بعد إجراء فحوصات جينية موسعة.

وهنا نجح باحثو جامعة رادبود في حل جزء مهم من هذا اللغز.

من عائلة واحدة إلى عشرات العائلات حول العالم

بدأ الاكتشاف بدراسة حالة عائلة أمريكية مكوّنة من أب وثمانية أطفال يعانون من العمى وأمراض وراثية أخرى.

وتقول الباحثة الرئيسية سوزانه روسينغ، أستاذة الوراثة الجزيئية في المركز الطبي لجامعة رادبود:

"جاءت العائلة إلينا تسأل: ما السبب؟ هل هناك عامل واحد يفسر كل هذه الحالات، أم أن هناك عدة جينات متورطة؟"

جين غير تقليدي وراء المرض

لم يجد الباحثون أي خلل في الجينات المعروفة المسببة لالتهاب الشبكية الصباغي، فقرروا تحليل الحمض النووي الكامل للوالدين والأطفال.

ورغم نجاحهم في تفسير بعض الحالات الوراثية الأخرى، ظل سبب المرض البصري غامضًا، مما دفعهم للبحث عن عامل جديد. وبعد جهد كبير، توصلوا إلى تغيّر جيني في جين يُعرف باسم RNU4-2.

ما هو جين RNU4-2؟

يُعد RNU4-2 من الجينات غير المشفّرة للبروتين، أي أنه لا ينتج بروتينات، بل ينتج جزيئات RNA.

وتشارك هذه الجزيئات، بالتعاون مع بروتينات وجزيئات RNA أخرى، في عملية حيوية تُعرف باسم تحرير المعلومات الجينية (Splicing)، وهي خطوة أساسية قبل إنتاج البروتينات داخل الخلية.

وقد تبيّن أن التغيّر الجيني المكتشف يقع في نقطة حساسة جدًا من هذا الـRNA، مما يعطّل آلية تنظيمية مهمة، يبدو أنها ضرورية لصحة الشبكية، ويؤدي في النهاية إلى فقدان البصر.

تحليل شامل لـ 5,000 مريض

بالتعاون مع باحثين من جامعة بازل، من بينهم ماتيو كوينودوز وكارلو ريفولتا، أجرى الفريق تحليلا واسع النطاق لبيانات الحمض النووي الخاصة بـ 5,000 مريض لم يُعرف سبب إصابتهم بالمرض سابقا.

وأسفرت النتائج عن:

اكتشاف تغيّرات إضافية في جين RNU4-2

تحديد أربعة جينات مشابهة أخرى

وقد وفّر ذلك تشخيصا جينيا دقيقا لـ153 شخصا من 67 عائلة.

نسبة مؤثرة من الحالات غير المفسّرة

تُفسّر هذه الاكتشافات نحو 1.4% من جميع حالات التهاب الشبكية الصباغي غير المفسّرة عالميا.

ويقول الباحث كيم رودنبورغ من جامعة رادبود:

"هذه قفزة علمية كبيرة. لم نكتشف سببا جديدا للعمى فحسب، بل أثبتنا أيضا أن الجينات غير المنتجة للبروتين تلعب دورا حاسما."

أمل جديد للعائلات المصابة

العائلة الأمريكية التي بدأت منها هذه الرحلة البحثية عبّرت عن سعادتها الكبيرة بالاكتشاف، خاصة بعد أن علمت أن أبحاثها ساعدت 66 عائلة أخرى حول العالم.

وتوضح روسينغ:

"أصبحوا الآن يعرفون السبب الحقيقي لفقدانهم البصر، ويمكنهم اتخاذ قرارات مدروسة، مثل اللجوء إلى الفحص الجيني قبل الزرع لمنع انتقال المرض إلى أبنائهم."

فصل جديد في علم الوراثة

لا يقتصر هذا الاكتشاف على التهاب الشبكية الصباغي فقط، بل يفتح بابا جديدا في فهم الأمراض الوراثية.

ويختتم رودنبورغ قائلا:

"تعلّمنا أن التغيّرات في جينات الـRNA يمكن أن تكون بنفس خطورة التغيّرات في الجينات المنتجة للبروتين. هذه معرفة أساسية توسّع فهمنا للأمراض الوراثية."

المصدر: مجلة Nature Genetics