تُقدَّر الموارد الطبيعية في غرينلاند بعشرات المليارات من براميل النفط المكافئ، إضافة إلى ملايين الأطنان من المعادن الأرضية النادرة. ومع تسارع وتيرة الاحتباس الحراري وذوبان الجليد، أصبحت هذه الموارد أكثر قابلية للوصول، إلا أن ذلك يترافق في الوقت نفسه مع مخاطر بيئية متزايدة.
وقد قدّم جيولوجيون من الدنمارك والولايات المتحدة شرحا علميا مفصلا يوضح الأسباب التي تجعل غرينلاند اليوم واحدة من أكثر مناطق العالم وعدا من حيث احتياطيات الموارد الطبيعية.
صخور عمرها 4 مليارات سنة تخفي معادن استراتيجية
تحت الغطاء الجليدي الهائل لأكبر جزيرة في العالم، توجد صخور يعود عمرها إلى نحو 4 مليارات سنة. وتحتوي هذه الطبقات الجيولوجية على عناصر أرضية نادرة تُعد أساسية للصناعات الحديثة، ولا سيما:
بطاريات التخزين
المحركات الكهربائية
تقنيات طاقة الرياح
ووفقا للتقديرات العلمية، فإن ثلاثة مكامن رئيسية تحت الجليد قد تكون من بين الأكبر عالميا. كما تُقدَّر الاحتياطيات الإجمالية من النيوديميوم والديسبروسيوم بنحو 40 مليون طن، وهي كمية كافية لتلبية أكثر من ربع الطلب العالمي المستقبلي على هذه المعادن.
دور النشاط البركاني القديم في تكوين الموارد
على الرغم من أن غرينلاند لا تشهد نشاطا بركانيا كثيفا في الوقت الحاضر، على عكس آيسلندا المجاورة الواقعة عند تقاطع الحيد الأوسط للمحيطات وعمود وشاحي نشط، فإن العديد من مواردها الطبيعية تشكّلت نتيجة نشاط بركاني قديم.
وقد عُثر على عناصر أرضية نادرة مثل:
النيوبيوم
التنتالوم
الإيتربيوم
داخل طبقات من الصخور النارية. ويشبه هذا النمط الجيولوجي ما حدث في جنوب غرب إنجلترا، حيث تشكّلت رواسب الفضة والزنك بفعل دوران المياه الحارة الغنية بالمعادن حول قمم تداخلات بركانية ضخمة.
تاريخ جيولوجي معقّد أنتج تنوعا معدنيا نادرا
يرتبط التنوع الكبير في موارد غرينلاند بتاريخها الجيولوجي الاستثنائي، إذ مرّت الجزيرة بمراحل متعاقبة شملت:
تشكّل السلاسل الجبلية
تمدد القشرة الأرضية
فترات من النشاط البركاني
وخلال هذه العمليات، تكوّنت في الصدوع والشقوق الجيولوجية معادن ثمينة مثل:
الذهب
الأحجار الكريمة، بما في ذلك الياقوت
الغرافيت، وهو عنصر أساسي في بطاريات الليثيوم-أيون
أما في الأحواض الرسوبية، فقد تراكمت النفط والغاز ومعادن متعددة، ويعود تاريخ التعدين المحدود في بعض هذه المناطق إلى نهاية القرن الثامن عشر.
العناصر الأرضية النادرة ودورها في مستقبل الطاقة
تُعد الصخور النارية في غرينلاند مصدرا رئيسيا للعناصر الأرضية النادرة، وهي مواد حيوية للتحول العالمي نحو الطاقة النظيفة. وتشير الدراسات إلى أن هذه الموارد قد تؤثر بشكل مباشر على أسواق الطاقة العالمية وسلاسل توريد التقنيات الخضراء.
تكوّن الموارد خلال فترات التصدّع القاري
تشكل جزء كبير من ثروات غرينلاند الطبيعية خلال فترات الريفتوجينيز (تصدع القشرة الأرضية)، لا سيما أثناء تشكّل المحيط الأطلسي في أوائل العصر الجوراسي، قبل أكثر من مئتي مليون سنة.
وقد ساهم هذا التاريخ الجيولوجي المتنوع، الممتد على مدى 4 مليارات سنة، في تركّز استثنائي للموارد الطبيعية داخل الجزيرة.
أحواض رسوبية واعدة بالنفط والغاز
من بين المناطق الواعدة، يبرز حوض جيمسون لاند الرسوبي البري، حيث يرجّح العلماء وجود احتياطيات كبيرة من النفط والغاز، على غرار الأحواض الغنية بالهيدروكربونات في الجرف القاري النرويجي.
كما تحتوي الأحواض الرسوبية الساحلية، التي تخلو في معظمها من الجليد، على معادن مثل:
الرصاص
النحاس
الحديد
الزنك
وقد بدأت عمليات استخراج محدودة لهذه المعادن منذ عام 1780.
ذوبان الجليد يفتح الطريق ويضاعف المخاطر
ساهم الاحترار المناخي في تسهيل الوصول التدريجي إلى هذه الموارد. فمنذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، ذابت الأنهار الجليدية في غرينلاند على مساحة تعادل مساحة دولة ألبانيا تقريبا.
كما أتاحت التقنيات الحديثة، مثل الرادار المخترق للأرض، رسم خرائط تفصيلية للصخور الواقعة تحت طبقات جليدية يصل سمكها إلى كيلومترين، ومع ذلك لا تزال عمليات الاستكشاف والاستخراج معقدة ومكلفة وحساسة بيئيا.
بين المكاسب الاقتصادية وحماية البيئة
تخضع أنشطة التعدين في غرينلاند اليوم لتشريعات صارمة وُضعت منذ سبعينيات القرن الماضي. إلا أن تزايد الطلب العالمي على المواد الخام اللازمة للتحول الطاقي يفرض ضغوطا متزايدة لتخفيف هذه القواعد.
وتواجه غرينلاند خيارا حاسما بين:
تحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة
أو الحفاظ على بيئتها الطبيعية الفريدة
وهو خيار لا يؤثر على الجزيرة وحدها، بل يمتد أثره إلى مستوى سطح البحار العالمي والنظام البيئي للكوكب.