قرأت تعليقاً لبعض الخبراء حول مقابلة رئيس الجمهوريّة يوم أمس، ذكر فيه بعض الملاحظات على كلام عون وأشار إلى عدّة أُمور من أهمِّها خطر إيصال رسائل ذات لحن استسلاميّ إلى مثل نتنياهو. وفي حين أنّي أُؤيّد ملاحظات الكاتب بالكامل، لديّ شبه تأمُّل في موضوع لعلّه أعمّ، خلاصته أنّي أتمنّى أن تكون هذه القراءات الهادئة لكلمات ومواقف الرّئيس من باب ما يقتضيه الصّبر - مثلاً - وإلّا فلم يبقَ مجال لحُسن الظَّنِّ فضلاً عن القناعة الحقيقيّة بأنّ جوزاف عون يريد - بالفعل - الدّفاع عن لبنان لكنّه لم يكن جاهزاً للمقابلة ولذا أخطأ في اختيار الخطاب الدّبلوماسيّ الأنسب بلحاظ المرحلة ونحو ذلك..
بل أرى أنّ الرّجل دقيق، ويعرف جيّداً أين يقف، ورسالته إلى المقاومة وبيئتها في غاية الوضوح: لن نخوض حرباً ضدّ إسرائيل من أجلكم ولن ننزع سلاحكم بالقوّة، بل سيكون تركنا للواجب عقاباً لكم ولبيئتكم، ولتدفعوا ثمن خياركم السّياسيّ فأنتم على علم بعجزنا، وبذلك نضغط عليكم. تصريحاتنا ليست من باب النّصيحة، بل نعبّر عن مطلبنا وبكلّ وضوح: سلّموا سلاحكم، فإنّ ظهرنا للاسرائيليّ وعيوننا عليكم..
طبعاً، عون عاجز عن حماية لبنان، هذا المقدار ثابت بالاتّفاق. لكنّ الكلام ليس في عجز الدّولة. بل السّؤال هو: ماذا تريد؟ والرّجل يردّد الجواب قياماً وقعوداً وموقفه لا يحتمل التّأويل! بل إنّ تأويل كلامه ضرب من الجنون بعد كلّ الذي حصل وفي ظلّ حرب الاستنزاف التي يواجهها شيعة لبنان. والإصرار على تكذيب السّمع والبصر واحتمال أنّ عون لا يمثّل طرفاً في هذا المنعطف التّاريخيّ لا مبرّر له خاصّةً بعد هذه المقابلة. على أنّ موقفه هذا ليس جديداً، فالرّجل أعاد الكرة إلى ملعب المقاومة منذ أشهر في خطابه بمناسبة عيد الجيش، ونشرتُ مقالة أشرت فيها إلى ذلك لمّا استوقفني عدم ردّ قيادة الثّنائيّ عليه ومرور عبارته المبطَّنة كأنّه لم يقلها. قلت:
"قال في نيسان بأنّ وجود إسرائيل في جنوب لبنان "يعطي حزب الله ذريعة" لمواصلة تسليحه، داعياً الولايات المتّحدة إلى الضّغط على إسرائيل للانسحاب. وأمّا في عيد الجيش، بعد أن استقرّت نتائج الدّبلوماسيّة الذّليلة وعجزت الدّولة عن تثبيت الواقع الميدانيّ واستثماره سياسيّا، صعد الرّئيس عون المنبر وخاطب المقاومة وبيئتها قائلاً: "أنتم أشرف من أن تخاطروا بمشروع بناء الدّولة، وأنبل من أن تقدّموا الذّرائع لعدوان يريد أن تستمرّ الحرب علينا". فبعد أن كانت إسرائيل هي التي تعطي الذّرائع للمقاومة، صار العكس هو الصّحيح، وصار السّبيل إلى الضّمانات التي ما برح ينفي المبعوث الأمريكيّ وجودها تجريد لبنان من أوراق قوّته قبل تأمين البديل، أما مِن أحد يجرؤ على تذكير رئيس الجمهوريّة بمخاطر "معالجة" الآثار قبل التَّخلُّص من العلل؟!"
لا علاقة للعجز بالموضوع على الإطلاق، فلو أراد عون الدّفاع عن الجنوب لظهر ذلك من خطابه وأدائه، ولتمسَّك - وهو الخبير بعجز الدّولة عن أداء واجبها - بكلّ قطعة سلاح تملكها المقاومة لأجل أنّ ما لا يُدرك كلّه لا يُترك جلّه، ولفعل المستحيل من أجل الحفاظ على هذه القدرات، ولأخبر اللّبنانيّين بأنّها ضرورة وطنيّة وضمانة استراتيجيّة - كما تقتضي "العقلانيّة" الحقيقيّة - بدلاً من شيطنة السّلاح وإعلان الاستسلام المطلق..
لا أدري ما الذي ينبغي على الرّجل أن يقوله حتى يصدّق نوّاب ووزراء الثّنائيّ أنّه لن يحشد أوراق القوّة لبناء استراتيجيّة أمن وطنيّ لأنّه - ببساطة - لا يريدها وإن كانت دفاعيّة، وأنّه لن يوحّد لبنان "ضدّ" العدوّ طالما أنّه يستطيع أن يترك الأُمور كما هي ويلقي اللّوم على المقاومة بهدوء تامّ. لكن كلّما تأخّرنا عن تقبُّل هذه الحقيقة واعتماد خطاب يليق بموقفه من حيث الصّراحة كانت العواقب أسوأ..
موقف ما يُسمّى بـ "الدّولة" لا لبس فيه ولا شبهة تعتريه. رئيس الجمهوريّة وضع خطاب القسم جانباً وترك أهل الجنوب لمصيرهم. ولو استيقظ غداً واكتشف أنّ الجنوبيّين قد اختاروا الدّفاع عن أنفسهم لعدّ ذلك من سياسة المحاور التي لا تعني لبنان. بعد استدراك هذا الواقع والبناء عليه في الخطاب السّياسيّ، ليس المطلوب من المقاومة أن تفتح الجبهة الآن، فهي أعرف بحساباتها. إنّما الكلام في هذه الجزئيّة لأنّ الرّجل لا يخفي انحيازه، فليُخاطب على هذا الأساس، حتى لا تكون فتنة..