ننطلِقُ من تصريحِ رئيس الجمهوريّةِ العماد جوزاف عون البارحة، حيثُ قال:
"أُريدُ أن أقولَ للطّرَفِ الآخر:
آنَ الأوانُ لكي تتعقلَنوا.
إمّا أنتم في الدَّولَةِ عن حق، أو لستُم بِها.
لديكُم وُزراءُ ونُوّابٌ مُمثِّلون في الدّولة، ضَعُوا أيدِيَكُم بِيَدِالدَّولةِ،
وهيَ تتكفّلُ بالحِماية.
لقد آنَ أوانُ أن تتحمَّلَ الدَّولةُ مسؤولِيّةَ حِمايةِ أبْنائها وأرضِها.
لم تَعُدْ فِئةٌ مِنَ الشَّعبِ مُضطرَّةً، بعدَ اليومِ، أن تتحمّلَ الأمر، ولبنانُ كُلُّهُ يتحمَّلُ تَبِعةَ ذلك.
آنَ الأوانُ لِكي نُغلِّبَ قُوّةَ المَنطِقِ على مَنْطقِ القُوّة".
نقول: بعد دخول المنطقةِ، بِما فيها لُبنانُ، مرحلةَ "الحرب الوجودية"، بسببِ الهيمنةِ الأميريكيةِ والكيانِ الصهيوني، وفُقدانِ أيِّ تأثيرٍ لما يُسَمّى "قانوناً دولياً وشرعيةً دولية"، فَقَدَ موقعُ رِئاسةِ الجمهوريةِ، في الكيانِ اللُّبنانيِّ، أيَّ وزنٍ وقيمةٍ، وانعدَمَ تأثيرُهُ في الدّاخلِ اللُّبناني، خصوصاً في هذه المرحلة، لأنَّ الدَّولةَ اللبنانيَّةَ لم تُعْلِنْ حِيادَها حِيالَ محاورِالحربِ الدّائرِةِ في المِنطقة؛ ويدفَعُ لُبنانُ ضريبَتَها، من دونِ أن يَكونَ مُشارِكاً فيها، ورغْمَ أنَّ الدَّولةَ اللبنانيّةَ،مُقاومةًوجيشاًوحكومةً، التزمتِ القرارَ الدَّولِيَّ الرَّقم1701 القاضي بِوَقْفِ جميعِ الأعمالِ العِدائيّة، ولِأنّ الرّئيسَ يفتقِرُ إلى أيِّ قاعدةٍ شعبيةٍ تُشكِّلُ لهُ رافعةً وقُوّةَ تأثيرٍ في الصراع، ولو على مستوى رئيسِ بلديةٍ في قريةٍ صغيرة.
والأمرُ نفسُهُ ينسحبُ على رئيسِ الحكومة اللبنانية.
في تصريحِ رئيسِ الجُمهوريَّةِ العماد جوزاف عون أعلاه.. لا أعرفُ أيّاً من مستشاريهِ أوحى لهُ أنّ خطابَ "اجر بالفلاحة وأجر بالبور" يُمكِنُهُ من إثباتِ وجودِهِ ومَلْءِ مَوقِعِه.
فهذا الخطابُ لم يَعُدْ يُفلِحُ في تغطيةِ العجزِ عن تحقيقِ الوعودِ التي تعهدَ بها للّذين يُحاولون، عبثاً، فرْضَ الوِصايَةِ على لبنانَ، بِاستِخدام رِئاسةِ الجمهوريّةِ ورئاسةِ الحكومة، وبعضِ المُتنطِّحينَ لما هُم أعجزُ بكثيرٍ عن فَرضِ أيِّ نوعٍ من أنواعِ الوصايةِ على الشّعبِ اللبناني الرافضِ لِلوصاياتِ، من أيِّ جِهةٍ كانت.
كما أنَّهُ لا يَخدعُ القوى الواقعيةَ، مَنْ كانَ مِنْها على يَمينِهِ أو على يساره.
إنَّ قراءةً سريعةً لهذا الخطاب (أعلاهُ) كافيةٌ لِلكشفِ عن مدى الجهلِ المُعَبَّرِ عنهُ، في مضمونِهِ ومحتواه.
ثُمَّ إنَّ الكلامَ الإنشائيَّ الّذي صِيغَ منهُ التصريحُ، لا معنى له في عِلمِ السياسةِ والتاريخ.
وهو ينطلقُ من فَرَضِيَّةٍ يعتبرُها بديهيةً، في استخدامِ مُصطَلَحِ "الدولة"، وكأنَّها جسمٌ واحدٌ وذاتُ رؤيةٍ واحدة، سواءً تُجاهَ "الهُوِيةِ الوطنية" او تُجاهَ الانقساماتِ في مُكوِّناتِها والتي بلغ بعضُها حد التصهينِ السافرِ والتبعيةِ العمياءِ، لِمُحاولي فرضِ الوصايةِ عليها ومُستخدِميها في محورِ العُدوان، ولوْ أنَّها تَتَّسِمُ بالضَّعْفِ والعَجْزِ والإفلاس.
والجهةُ التي يتوجَّهُ إليها في هذا الخطاب،مُمَثَّلَةٌ في مايُسَمِّيهِ "دولةً"، نيابياً ووِزارياً وإدارةوهي رغمَ ما لَحِقَ بِها من خسائرَ في هذِهِ الحربِ، تَبقى الأقوى، بِلا مُنازِعٍ شعبياً وسياسيا، وهي الأغنى، قياساً بِالْقِوى الداخليةِ على كُلِّ الصُّعُد.
ثُمّ هِيَ الأقوى، ليس تُجاهَ أعداءِ الداخلِ وحسْب، إنّما اثبتت أيضاً أنَّها عَصِيَّةٌ على الِانْكِسارِبمواجهةِ أعداءِ الخارج، رغم جبروتِ القوَّةِ المفرطةِ التي استخدموها.
و المُضحِكُ المُبكي أنَّهُ، رغمَ العجزِ عن إخضاعِها عسكرياً،لازال الوهمُ، في الداخلِ والخارج، بِإمكانِيَّةِ إخضاعها، عَبْرَ الضَّغطِ السياسيِّ والمالِيّ، ورِهانُ أعداءِ الخارجِ على الضغطِ السياسيِّ الداخليّ، فيما رِهانُ خُصومِ الداخلِ على قوَّةِ الخارجِ التي بلغتْ ذِروتَها العسكريةَ لكِنّها لم تفلح في إخضاعِها.
ويبقى أنْ نذكُرَ أنَّ الوَهْمَ الذي يستدعي الشفقةَ، لدى "رئيسِ الجمهوريةِ" ورئيسِ الحكومة، بتصويرِ نَفْسَيْهِما أنَّهُما المُعَبِّرانِ عنِ "الدولةِ"، ولو تبايَنا في بعضِ المواقفِ شَكلياً، وأنَّهُما فَوْقَ التَّناقُضاتِ بين مكوِّناتها السياسيةِ والاجتماعيةِ الداخلية،
وقد غاب عنهُما أنَّهُما مُجرّدُ حالةٍ ظرفيةٍ تملأُ فراغاً شكلياً، وأجَلُها مُحَدّد؛ خاصةً وأنهما لا يملكانِ مواقِفَ وطنِيَّةً يسعيانِ إلى تنفيذِها، وإذا أحسنّا الظَّنَّ نقول:إنَّ مواقفَهُماليست وطنيّةً، بِما يفتَحُ لها الطريقَ للتّنفيذ، وهُما "لا مَعَ سِيدِي بِخَيَر، ولا معَ سِتِّي بخير".ه