بقلم ( عباس المعلم )
دونالد ترامب ليس خطأً سياسيًا عابرًا ولا انحرافًا شعبويًا يمكن احتواؤه داخل تقاليد الحكم الأميركي، بل هو تشخيص نفسي خطير صعد إلى قمة السلطة ، كل محاولة لقراءته كرجل دولة عقلاني أو كسياسي تقليدي هي قراءة مضلِّلة تتجاهل الجوهر الحقيقي للمشكلة !! نحن أمام نموذج سريري مكتمل لما يسميه علم النفس السياسي: نرجسية خبيثة، سيكوباتية سلطوية، بارانويا عظمة، واضطراب شخصية مسرحية، اجتمعت كلها في شخص واحد ثم وُضعت بين يديه مفاتيح دولة عظمى.
ترامب لا يحكم، بل يُمثّل. لا يقود، بل يستعرض. لا يدير دولة، بل يعالج عقده النفسية على حساب العالم. وجوده مرتبط بالكاميرا، ومعناه مرتبط بالصورة، وقيمته الذاتية لا تُستمد من الإنجاز بل من الانتباه. حين يغيب الضوء، يغيب هو. وحين يُسحب المشهد، يبدأ الانهيار.
هذه ليست ظاهرة جديدة في التاريخ. هتلر احتاج مسارح نورمبرغ ليقنع نفسه أنه قائد قدري، وموسوليني احتاج الشرفات والقبضة المرفوعة ليخفي خواءه، وترامب احتاج الكاميرا، التغريدة، والتهديد المصوَّر. الفاشية واحدة في بنيتها النفسية، وإن اختلفت أدواتها ،، جميعهم يشتركون في حقيقة واحدة ؟ لا يشعرون بوجودهم إلا إذا رأوا أنفسهم منعكسين في عيون الآخرين.
في التحليل النفسي، ترامب هو نموذج الزعيم السيكوباتي الاستعراضي ،اندفاعي، عديم التعاطف، كاذب مرضي، عاجز عن تحمّل الإحباط، يرى كل رفض إهانة وجودية، وكل مقاومة مؤامرة شخصية. لا يعرف المراجعة ولا يعترف بالخطأ، لأن أي اعتراف يعني تشقق الصورة التي يعيش داخلها. لهذا لا يفاوض، بل يبتز. لا يناقش، بل يهدد. ولا يفكر بالعواقب، لأن عقله محكوم بلحظة التصفيق لا بزمن التاريخ.
لهذا فشل في فنزويلا، وشوّه السياسة في الشرق الأوسط وفي أطماعه بغرينلاند وكندا وموارد العالم باسره حتى بالكواكب الخارجية ، ولعب مع كوريا الشمالية كما يلعب طفل أمام عدسة. لكن إيران كانت أكثر من ملف فاشل، كانت الانكشاف النفسي الكامل.
إيران في وعي ترامب ليست دولة، بل جرح نرجسي مفتوح. فكرة أن نظامًا سياسيًا كاملًا لا يعترف به، لا يخافه، ولا يسعى لرضاه، هي إهانة لا يحتملها تركيبه النفسي. منذ 1979، وهذه الدولة تقول “لا” للهيمنة الأميركية، وترامب، كنرجسي خبيث، لا يسمع “لا” دون أن يتحول إلى عدوان.
من هنا تحولت إيران من قضية سياسية إلى هاجس مرضي. لم تعد ملفًا للتفاوض، بل ثأرًا نفسيًا. لم تعد ساحة مصالح، بل محاولة قسرية لترميم أنا متصدعة. العقوبات القصوى لم تكن سياسة دولة، بل سلوكًا ساديًا تعويضيًا؛ فالنرجسي السيكوباتي حين يعجز عن الإخضاع، ينتقل إلى الإيذاء، وحين يفشل في السيطرة، يحاول الخنق والتجويع والتشويه. أميركا في عهده لم تكن دولة مؤسسات، بل أداة تنفيس لعقده.
ترامب كان يحلم بمشهد فاشي كلاسيكي ؟ دخول العاصمة المعادية، فرض الشروط، التقاط الصورة، وتخليد الأنا. تمامًا كما حلم هتلر بباريس، وكما حلم موسوليني بإمبراطورية كرتونية. الفاشي لا يريد نصرًا مستدامًا، بل لقطة خالدة. ما بعد الصورة لا يعنيه، لأن ما بعدها فراغ.
لكن ما لم يفهمه ترامب، ولن يفهمه، أن هناك أنظمة لا تلعب هذه اللعبة. وجود قيادة لا تحتاج اعترافه، ولا تخضع لتهديده، ولا تمنحه ما يتغذى عليه ، أي الصورة ، شكّل نفيًا كاملًا لوجوده الرمزي. وهذا أخطر ما يمكن أن يواجه نرجسيًا خبيثًا. ليس العداء، بل التجاهل السيادي. ليس المواجهة، بل سحب المرآة.
وهنا يجب قول الحقيقة بلا مواربة ،، ترامب لن يتوقف. ليس لأنه يملك خطة استراتيجية، بل لأنه لا يملك القدرة النفسية على التوقف. الاضطراب لا يعرف الكوابح. هذا الرجل، بطبيعته المرضية، مستعد لأن يدمّر صورة أميركا الأخلاقية، ويفتّت مؤسساتها من الداخل، ويشعل أزمات عالمية، ويضرب تحالفاتها، ويكبّدها خسائر تاريخية جسيمة، فقط من أجل صورة واحدة.
لأن النرجسي الخبيث لا يحسب الكلفة، بل يحسب الانعكاس في المرآة. وأميركا، في هذه المعادلة، ليست وطنًا ولا دولة، بل حامل كاميرا بيد رجل مريض. هنا تكمن الخطورة الحقيقية: ترامب لا يشكّل تهديدًا لخصوم أميركا فقط، بل تهديدًا وجوديًا لها من الداخل والخارج، لأن الدولة حين تُدار بعُقد نفسية تتحول إلى رهينة.
هذه ليست سياسة، بل سيكودراما عالمية. وطهران، برفضها لعب دور الكومبارس، لم تواجه ترامب فقط، بل سحبت منه مرآته. وخارج المرآة، النرجسي ينهار وهو اليوم يريد صناعة صورة له بقلب طهران ولا يجد سبيل لتحقيق ذلك سوى ازالة الصورة المعاكسة التي يجسدها السيد علي الخامنئي كما فعل شريكه نتنياهو عندما وجد ان اي تغيير بالشرق الاوسط الجديد لا يمكن ان يحصل إلا باغتيال السيد حسن نصرالله .
في النهاية، أخطر ما في دونالد ترامب ليس قراراته، بل تركيبته النفسية. السياسة قد تُخطئ وتُصحَّح، أما الاضطراب فلا يتعلّم. رجل تحكمه النرجسية الخبيثة لا يعرف حدودًا، ولا يعترف بخسارة، ولا يتوقف عند خرابٍ يخلّفه، لأنه لا يرى العالم إلا امتدادًا لذاته. وحين تُدار دولة عظمى بعقل يبحث عن صورته في المرآة، يصبح العالم كله مهددًا لا بسبب قوة هذه الدولة، بل بسبب هشاشتها الداخلية. أخطر المرضى هم أولئك الذين يملكون سلطة ولا يملكون وعيًا بذاتهم، وترامب هو التجسيد الأوضح لهذه القاعدة: ذات متضخمة، فراغ داخلي، وقدرة تدمير بلا إحساس بالذنب. السؤال لم يعد ماذا سيفعل ترامب بالعالم، بل كم سيتحمّل العالم من تكلفة رجل لن يهدأ قبل أن يرى صورته معلّقة على جدار التاريخ، حتى لو كان الثمن سقوط الدولة التي حملته إلى ذلك الجدار…
عباس المعلم - كاتب سياسي