بقلم ( عباس المعلم )
ليست الحروب الكبرى مجرّد تبادل نيران، بل لحظات كاشفة لبنية التفكير العميق لدى الدول. وحين تندلع مواجهة أمريكية–إسرائيلية ضد إيران، فإن السؤال الحقيقي لا يكون من ضرب أولًا؟ بل من حدّد سقف النهاية؟ ومن يملك تعريف “النصر”؟ في مثل هذه اللحظات تتعرّى الفوارق بين التنسيق العملياتي ووحدة الرؤية السياسية. قد يتطابق الأميركي والإسرائيلي في غرفة العمليات، لكنهما لا يتطابقان بالضرورة في غرفة القرار النهائي. هنا تبدأ قصة هذه الحرب تعدّد في الأهداف المعلنة، ووحدة في الغاية العميقة – إضعاف حكم النظام الإيراني بوجوهه السياسية والعسكرية والدينية، أو دفعه إلى تحوّل جذري يبدّل طبيعته ووظيفته.
التسريبات الأولية عن تقدير إسرائيلي بحرب لا تتجاوز أربعة أيام، مقابل ما نُقل عن دوائر قريبة من البيت الأبيض بأن الانهيار الإيراني قد يحدث خلال ساعات، تكشف عن خلل كلاسيكي في تقدير صلابة الخصم. الانتقال الإسرائيلي لاحقًا إلى تقدير يمتد أسبوعين يوحي بأن سقف القدرة مرتبط بمرونة الجبهة الداخلية وتحملها، وأن اقتصاد الحرب، عسكريًا ونفسيًا، ليس مفتوحًا إلى ما لا نهاية. أما في واشنطن، فإن التحوّل من خطاب “الحسم السريع” إلى تقدير أسابيع يعكس ما يُعرف في أدبيات الدولة العميقة الأميركية بتصحيح سوء التقدير الاستراتيجي. فالعقل الأميركي، وخصوصًا في المدرسة المرتبطة بالرئيس دونالد ترامب، يميل إلى فرضية “الصدمة المروّعة” التي تُحدث انهيارًا نفسيًا وسياسيًا سريعًا. غير أن إيران ليست بنية رخوة؛ إنها نظام مؤسساتي متجذّر في عقيدة سياسية–دينية، يملك طبقات متداخلة من الشرعية والأمن والقدرة على امتصاص الضربات.
من حيث الجوهر، الهدف واحد: تغيير معادلة الحكم في طهران. لكن المسارات مختلفة جذريًا. واشنطن لا تسعى، وفق منطقها الاستراتيجي، إلى تفكيك الدولة الإيرانية، بل إلى تطويعها وإعادة إدماجها ضمن شبكة المصالح العالمية بشروط أميركية صرفة: تحييد دورها الإقليمي، تقليص ارتباطها بالصين وروسيا، ووضع قطاع الطاقة والممرات البحرية ضمن منظومة رقابة دولية تقودها الولايات المتحدة. في هذا السياق، لا تُقرأ إيران كعدو وجودي، بل كعقدة جيوسياسية ينبغي إعادة ترتيبها داخل النظام الدولي. المطلوب “إيران منضبطة”، لا “إيران منهارة”، لأن الفوضى الشاملة في دولة بحجمها الجغرافي والسكاني قد تفتح أبوابًا لا تستطيع واشنطن ضبطها، وتُطلق ديناميات إقليمية تتجاوز قدرتها على الإدارة.
في المقابل، ينطلق رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو من عقيدة مختلفة. في بنيته الفكرية والسياسية، إيران ليست خصمًا قابلًا لإعادة التكييف، بل تهديدًا بنيويًا طويل الأمد. خلفية حكومته اليمينية–الدينية تمنح المواجهة بُعدًا يتجاوز الحسابات البراغماتية، وتستحضر سرديات تاريخية–عقائدية ترى في هذه اللحظة فرصة تاريخية قد لا تتكرر. لذلك يتركز الجهد الإسرائيلي على استهداف القيادات السياسية والعسكرية، وضرب البنى الاقتصادية والمدنية الحساسة، بهدف إحداث تصدّع داخلي يُفضي إلى تفكك مركزي للدولة. الهدف هنا ليس تعديل السلوك، بل إعادة تشكيل الكيان الإيراني نفسه، وتحويله من دولة ذات مركز قرار سيادي إلى كيان منهك مشغول بأزماته الداخلية.
هذا التباين في تعريف “النهاية” هو أخطر من المعركة ذاتها. حين تريد واشنطن نظامًا منضبطًا يمكن التفاوض معه، وتريد تل أبيب نظامًا مفككًا لا ينهض مجددًا، يصبح الميدان ساحة شدّ حبال غير معلن بين الحليفين. إسرائيل تميل إلى توسيع بنك الأهداف وتسريع الإيقاع، فيما تميل الولايات المتحدة إلى ضبط السقف خشية الانزلاق إلى فوضى استراتيجية. وكلما شعر أحد الطرفين بأن الآخر لا يذهب بعيدًا بما يكفي لتحقيق رؤيته، ارتفع منسوب العنف لتعويض الفجوة السياسية.
في خلفية المشهد، ثمة إدراك إسرائيلي بأن ميزان القوى الإقليمي ليس ثابتًا إلى الأبد، وأن ما يُعتبر اليوم تفوقًا استراتيجيًا قد يتآكل خلال عقد أو عقدين. لذلك تُقرأ الحرب بوصفها نافذة زمنية ذهبية لإعادة صياغة الإقليم بأكمله، وإنهاء ما يُسمّى بمحور التحدي الإقليمي. أما في واشنطن، فالحساب أبرد: إدارة الصراع لا إلغاءه، إعادة التموضع لا المغامرة بانهيار شامل.
كل يوم إضافي في الحرب يعيد رسم ميزان الكلفة: أسواق الطاقة تدخل دائرة القلق المزمن، منظومات الدفاع والهجوم تتعرض لاستنزاف تدريجي، والشرعية الداخلية لأي حكومة تُختبر بقدرتها على إنتاج صورة “نصر” قابلة للتسويق. التقدير الأميركي بامتداد الحرب لأسابيع هو اعتراف ضمني بأن فرضية الانهيار السريع لم تتحقق. أما السقف الإسرائيلي المعلن بأسبوعين فيعكس إدراكًا لحدود القدرة، لا حدود الطموح.
في المحصلة، لسنا أمام حرب أهداف متباعدة، بل أمام هدف واحد بقراءتين: تطويع أم تفكيك. الفرق بينهما هو الفرق بين شرق أوسط قابل للإدارة وشرق أوسط مفتوح على التفكك والفوضى المتنقلة. وإذا استمر التباين بين الرؤيتين الأميركية والإسرائيلية، فإن النيران الموحدة قد تخفي خلفها استراتيجيتين متعارضتين، ما يجعل الميدان مختبرًا مفتوحًا للمفاجآت الكبرى. والتاريخ يُظهر أن الحروب التي تبدأ بتقدير ساعات، ثم تُعدّل إلى أسابيع، كثيرًا ما تنتهي بسنوات من التحولات العميقة التي لم تكن في الحساب الأول. في السياسة، كما في الجغرافيا، لا يبقى الفراغ طويلًا… بل تملؤه دائمًا قوة كانت تنتظر لحظة الخطأ.
عباس المعلم - كاتب سياسي