د. مهدي مبارك عبد الله
في كل حرب أو مواجهة مسلحة يبدو لنا أن الهوس الإسرائيلي باستعادة جثث قتلاه أو المفقودين يتجاوز البعد الإنساني الاعتيادي ليكشف عن أبعاد نفسية وسياسية عميقة وهذا ليس مجرد حرص على دفن الموتى بل يعكس أيضا هاجسًا يتعلق بالأمن الرمزي واعتماده كوسيلة اخرى لإعادة صناعة الرواية الوطنية والسيطرة على الأجساد حتى بعد موتها وان راء هذه المطالب المستمرة والاصرار المتواصل يختبئ سجل طويل من التوتر النفسي والحسابات الانتقامية واستغلال الموت كورقة سياسية وهو ما يجعل فهم دوافعها أمرًا بالغ الأهمية لفك رموز وطلاسم السياسات الإسرائيلية تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي
ان اهتمام إسرائيل الدائم باستعادة جثث القتلى والمفقودين ليس ظاهرة عابرة ولا مجرد سلوك عاطفي اعتيادي بل هو سياسة متجذرة في عقيدتها الدينية والأمنية والنفسية حيث يمكن تتبع هذا الاهتمام في الجذور الدينية العميقة للشريعة اليهودية التي تعتبر الجسد اليهودي مقدسًا ويجب دفنه وفق طقوس محددة بحيث يُعاد إلى الأرض بأقصى احترام وعدم المساس به وهذه العقيدة الدينية ايضا تحول البحث عن الرفات المفقود إلى واجب ديني واجتماعي ملزم لكل فرد ومؤسسة في المجتمع الإسرائيلي كما تكتسب هذه الفريضة بعدًا خاصًا عندما يتعلق الأمر بالجنود المفقودين في الحروب أو العمليات العسكرية حيث يتحول الجسد إلى رمز للوفاء الوطني والاحترام للميت
في نصوص الشريعة والتعاليم الفقهية اليهودية هناك مسألة دقيقة تتعلق بالمفقودين فعلى سبيل المثال لا يمكن اعتبار الشخص المفقود ميتًا رسميًا إلا بعد العثور على جثته أو تقديم دليل قاطع على وفاته وهذا الأمر له آثار عملية كبيرة فهو يمنع الزوجة من الزواج مجددًا ويجعل توزيع الميراث معلقًا حتى يتم التحقق من مصير الرجل المفقود وهذا يجعل استعادة الجثة أمرًا ذا أولوية قصوى ليس فقط من منظور ديني بل ومن منظور قانوني واجتماعي أيضًا
البعد النفسي للقضية يوضح لماذا تتحول كل جثة مفقودة إلى قضية وطنية إسرائيلية فالدولة تعلم جنودها منذ بداية التجنيد أن لا يُترك أي جندي خلف خطوط العدو وأن وفاء الدولة للمفقودين أمر أساسي للحفاظ على الروح المعنوية للجيش والمجتمع وهذه المعادلة النفسية تجعل أي عملية لاستعادة رفات الجنود تحظى بدعم شعبي كبير كما تحولها وسائل الإعلام إلى رمزية وطنية ووسيلة لتأكيد التماسك الاجتماعي والسياسي بحيث يصبح الموت نفسه أداة لتوحيد المجتمع وتعزيز الولاء بين افراده
على الصعيد الأمني والاستخباراتي يتوحد الاهتمام بالجثث ضمن منظومة متكاملة تشمل الموساد وجهاز الأمن العام والاستخبارات العسكرية حيث يتم تنفيذ عمليات معقدة أحيانًا ضد تنظيمات مسلحة أو دول مضادة لاستعادة الرفات وهذه العمليات قد تتضمن جمع المعلومات وتنظيم العملاء والدخول في المفاوضات وعقد الصفقات و تقديم مقايضات سياسية مقابل تحرير الأسرى مثال واضح على ذلك قضية الطيار رون أراد التي شغلت إسرائيل لعقود وجعلت استعادة رفاته هدفًا ووطنيًا استراتيجياً وكذلك محاولات الوصول الى بعض الاماكن في لبنان إو مقابر قديمة في مخيم اليرموك في سوريا حيث تقاطعت مصالح عدة أطراف من النظام السوري السابق وتنظيم داعش والقوات الروسية مع عدة أطراف محلية وهو ما يبرز مدى تعقيد هذه القضية على الصعيد العسكري والاستخباراتي
طبيعة المقارنة مع دول أخرى غير اسرائيل تظهر أن هذه الظاهرة فريدة من نوعها فالولايات المتحدة ودول غربية كثيرة تحتفظ بنصب تذكارية للجندي المجهول لكنها لا تقوم بنفس الجهد المكثف لاستعادة كل رفات جنودها وهو ما يجعل العقل الإسرائيلي مختلف حيث يندمج الدين بالسياسة والأمن ويصبح الجسد المفقود رمزًا للهوية الوطنية وأداة للتفاوض وأحيانًا بطاقة ضغط في تفاصيل الصراعات الإقليمية
داخل هذا السياق السياسي تتحول الجثث أحيانًا إلى ورقة قوية في الصفقات مع الخصوم سواء في لبنان أو غزة أو سوريا وكثيرا ما تظهر في مفاوضات تبادل الأسرى هذه الاستراتيجية لتجعل الجثة أكثر من مجرد رفاة باعتبارها قيمة سياسية ورمزية يستخدمها النظام الإسرائيلي لتحقيق أهدافه وتأكيد حضوره في الصراع دون أي تنازل عن رمزية الوفاء للجنود القتلى والمفقودين
يمكن هنا القول بإن اهتمام إسرائيل بجثث قتلاها هو مزيج معقد من اكسير الدين والسياسة والأمن والنفسية الجماعية وليس مجرد حنين للماضي أو خوف من الفقد بل هو عقيدة وطنية متكاملة تندمج فيها كل هذه العناصر بطريقة تجعل الموت أداة للاستمرار والرمزية والسلطة وهذا ما يجعل أي عملية بحث عن جثث قتلاها حدثًا ذا أبعاد متعددة يمتد تأثيره على المستوى الديني والاجتماعي والسياسي والأمني
تاريخيًا برزت قضايا استعادة الجثث في كل صراع خاضته إسرائيل فقد شهدت حرب اكتوبر مع مصر وسوريا وحرب لبنان الأولى والثانية حالات معقدة لجنود مفقودين وكانت الصفقات مع حزب الله محور اهتمام جماهيري وإعلامي واسع كما أن الصراع في غزة أفرز حالات مماثلة حيث لم يكتفي اسرائيل بالعمليات العسكرية بل استخدمت كل السبل للبحث عن الرفات واستغلالها كأداة للضغط النفسي والسياسي على خصومها وقد دخلت بعض هذه الملفات في اتفاقيات تبادل الأسرى المختلفة ما يعكس قيمة الجثة اليهودية ليس كرمز ديني فقط بل كأداة سياسية حقيقية
التحليل التاريخي للمسائلة يظهر أن إسرائيل لم تعتمد فقط على القوات العسكرية المقاتلة فقط بل أنشأت أجهزة استخباراتية متخصصة لجمع المعلومات عن الجنود المفقودين منذ حرب 1948 وحتى يومنا هذا وقد استخدمت كافة الوسائل الممكنة بما في ذلك العملاء المحليين والمخابرات الأجنبية لتحديد مواقع الرفات وهذا التوجه يعزز رؤية استراتيجية شاملة تقوم على دمج الدين والأمن والسياسة في مسألة واحدة لا يمكن تجاهلها
العديد من الدراسات النفسية والاجتماعية المتخصصة اشارت إلى أن هذا الاهتمام المفرط بالجنود المفقودين له أثر مباشر على روح الجيش المعنوية وتماسك المجتمع حيث يزرع شعورًا بالثقة المتبادلة بين الدولة والمجندين ويؤكد في نفوسهم أن دولتهم ملتزمة بحماية أفرادها مهما كانت التحديات والمخاطر وهي تجعل من البحث عن الرفات واجبًا جماعيًا واجتماعيًا وسياسيًا بعد الموت وهذه الحالة النفسية الفريدة تجعل أي عملية استعادة للرفات حدثًا ذا أهمية قصوى على كل المستويات مما يفسر لماذا تصبح الجثة الجندي الاسرائيلي محور اهتمام متعدد الأبعاد وكيف يمكن للموت أن يتحول إلى أداة للهوية والسياسة والوفاء الوطني
ختاما : إن الاهتمام الإسرائيلي بجثث قتلاها يظهر بوضوح كيف يمكن للدين والسياسة والأمن أن يندمجوا في قضية واحدة بحيث تصبح الجثة أكثر من مجرد رفاة أو ذكرى بل أداة متعددة الأبعاد تعكس القيم الدينية والالتزام الوطني والاستراتيجية الأمنية في آن واحد وهذه الظاهرة تثبت إدراك إسرائيل بان الوفاء للميت هو جزء من وفائها للأحياء وأن الموت في خدمة الدولة لا ينتهي عند انتهاء المعركة بل يستمر كرمزية وطنية وسياسية تجعل كل جثة تحمل رسالة لكل من يعيش داخل حدودها وخارجها
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية