عدنان علامه - عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
في لحظةٍ إقليمية شديدة الخطورة، حيث تتصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان ويُقتل المدنيون وتُحتل الأرض، بينما ينشغل بعض المسؤولين في الداخل بتجريد لبنان من عناصر قوته.
خرج الرئيس اللبناني السابق العماد إميل لحود؛ بتحذيرٍ وطني صريح، يعيد التذكير بدروس التاريخ التي يبدو أن بعض القوى السياسية لم تتعلم منها شيئاً.
فلبنان الذي دفع أثماناً باهظة، بسبب الرهانات الخاطئة على الخارج، وخصوصاً خلال اجتياح عام 1982؛ يقف اليوم مجدداً أمام مشهد سياسي، يعيد إنتاج الأوهام نفسها: أوهام الحماية الأمريكية، وأوهام السلام الذي يُفرَض تحت حراب الاحتلال، وأوهام أن التخلي عن عناصر القوة الوطنية، يمكن أن يجلب الاستقرار.
ولعل المفارقة التاريخية الكبرى، أن الرئيس إميل لحود كان من القلائل الذين جسّدوا في موقع الرئاسة التكامل بين الدولة والمقاومة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
فقد سجّل سابقة تاريخية ووطنية عندما استقبل في القصر الجمهوري سماحة السيد الشهيد حسن نصر الله بصفته ممثلاً للمقاومة التي حررت الأرض، وفرضت معادلة الردع، في تأكيد واضح أن الدفاع عن لبنان لا يمكن أن يكون موضع تجريم أو ملاحقة.
أما اليوم، فالمشهد يبدو مقلوباً؛ إذ ترتفع في الخطاب الرسمي عناوين مثل "حصرية السلاح" ، بينما يتواصل الاحتلال الإسرائيلي واعتداءاته اليومية، ويُطرح في المقابل إستهداف المقاومة سياسياً وقانونياً، حتى وصل الأمر إلى التداول بإجراءات قضائية بحق قياداتها، في وقتٍ يتعاظم فيه النفوذ الصهيو-أمريكي في رسم الضغوط، والخيارات المفروضة على لبنان.
وفي السياق ذاته، يُعاد تسويق الوعود الأمريكية للبنان وكأنها طوق النجاة،
ومنها مشاريع الطاقة التي تقوم على استجرار الكهرباء من الأردن، عبر الغاز "المصري" بحيث تمر شبكة الأسلاك في الأراضي السورية.
فيما تبدو هذه المشاريع، أقرب إلى قيود سياسية، تُبقي لبنان رهينة الضغوط
الخارجية، بدل الاتجاه إلى حلول سيادية حقيقية عبر إنشاء معامل إنتاج كبرى تحت السيطرة اللبنانية الكاملة.
في هذا المناخ الملبّد بالرهانات الخاطئة، جاء بيان الرئيس إميل لحود ليذكّر اللبنانيين بحقيقة بسيطة وخطيرة في آنٍ معاً: "أن تاريخ المنطقة يثبت أن الولايات المتحدة لا ترى في حلفائها سوى أدوات تخدم مصالحها، وأن الأولوية الأمريكية اليوم هي حماية إسرائيل ومشروعها التوسعي، لا حماية الدول التي تراهن عليها.
📌📌📌وفي ما يلي نص كلمة الرئيس اللبناني السابق العماد إميل لحود:
توجّه الرئيس السابق العماد إميل لحود بالتعزية إلى عائلات الشهداء الذين يسقطون يومياً، وغالبيتهم من المدنيين ومن بينهم أطفال.
وأشار لحود إلى أن العودة إلى التاريخ تثبت، بعد ما حصل في فييتنام ثم في أفغانستان مروراً بالحرب الأهلية في لبنان، بأن لا مصلحة تعلو على مصالح الولايات المتحدة الأميركية، ولو على حساب حلفائها، بينما باتت أولويتها اليوم مصلحة إسرائيل.
وقال لحود: "يؤسفنا أن البعض في الداخل يجدون فرصة ذهبية في استغلال الموجة المدمرة السائدة في المنطقة، لذا وانطلاقاً من حرصنا على الوحدة الوطنية نتمنى على هؤلاء التنبه إلى الأخطاء التي يرتكبونها لأن هذه الحرب لن تنتهي كما يشتهون، ولأننا سنبقى، مهما حصل، أبناء بلد واحد محكومين بالعيش معاً".
وأضاف: "لا تنخدعوا بالأوهام، كتلك التي عاشها بعضكم في العام 1982، وقد دفعتم مع البلد أثماناً لها، بل نقول لجميع إخوتنا في الوطن، وخصوصاً لمن يعتبرون أن فرصتهم سانحة للتحكم بالبلد، اسمعوا ما يقوله المسؤولون الإسرائيليون من أكبرهم إلى أصغرهم، وما قاله السفير الأميركي في إسرائيل عن أن لبنان جزء من إسرائيل الكبرى".
وتابع لحود: "مهما عظم الاختلاف في الداخل يمكن أن يجد طريقه إلى الحل، ولكن يختلف الأمر حين يتعرض وطننا للاعتداءات ويُقتل أبناؤه وتُحتل أرضه، فعندها تختلف الأولويات تماماً".
وذكّر لحود بما حصل في القمة العربية التي انعقدت في بيروت عام 2002 عندما نسي العرب حق العودة ففرضناه، لأننا نؤمن بأن أزمات المنطقة كلها، وخصوصاً أزمات لبنان، مرتبطة بوجود جسم غريب على حدوده احتل أرضاً ليست أرضه وهجّر أبناءها.
وقال: "لسنا هواة حرب ونريد وطننا بعيداً عن الأزمات كلها، إلا أن هذا العدو ومعه الولايات المتحدة والغرب يرفضون هذا الأمر عبر فرضهم علينا طاغية نبت على حدودنا منذ قرابة ثمانين عاماً. فلو كنتم حريصين على السلم الأهلي لما راهنتم على هذا المشروع، ليس انطلاقاً من سوء تقدير لديكم بل سعياً منكم إلى تغيير هوية البلد".
وختم لحود: "نحمد الله على دور الجيش اللبناني في هذه المرحلة، وهو يرفع الرأس إذ لا أولوية لديه إلا لبنان واللبنانيين، ويقف بالمرصاد للمؤامرات التي تُحاك".
📌الخاتمة
إن تحذير الرئيس إميل لحود ليس مجرد استعادة لذكرى تاريخية، بل هو قراءة عميقة لمسارٍ يبدو أن لبنان يُدفع إليه مجدداً. فالتاريخ علّم اللبنانيين أن الرهان على الخارج لم يجلب لهم سوى الاحتلال والحروب والانقسامات، وأن الأوهام التي رافقت اجتياح عام 1982 انتهت بكوارث وطنية ما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم.
واليوم، وبينما يلوّح قادة إسرائيل علناً بمشروع “إسرائيل الكبرى” ويواصلون اعتداءاتهم على لبنان، يصبح السؤال مصيرياً: هل يتعلم لبنان من دروس تاريخه، أم يسمح بتكرار الأخطاء نفسها تحت عناوين جديدة؟
فالأوطان لا تُحمى بالأوهام، ولا تُبنى بالارتهان للوعود الخارجية، بل بإرادة وطنية مستقلة تعرف أن السيادة لا تُستجدى من أحد، وأن القوة التي تحمي الأرض والشعب لا يمكن أن تتحول إلى تهمة أو جريمة.
ولهذا، فإن كلمات لحود اليوم تبدو كأنها رسالة إلى اللبنانيين جميعاً:
لا تكرروا خطأ 1982… لأن ثمن الأوهام هذه المرة قد يكون وجود الوطن نفسه.
وإنَّ غدًا لناظره قریب
10 آذار/ مارس 2026