لم يكن تراجع خيار الضربة الأميركية على إيران حدثا مفاجئا أو ثمرة حسابات دبلوماسية عابرة، بل نتيجة مباشرة لانهيار أحد الأعمدة الجوهرية في العقيدة الهجومية الأميركية: تفجير الداخل بالتوازي مع الضربة الخارجية، وشلّ القيادة عبر ضربة رأسية خاطفة. ما جرى داخل إيران خلال الأيام الأخيرة لا يمكن قراءته كسلسلة وقائع أمنية متفرقة، بل كعملية استباقية شاملة أسقطت سيناريو «الفوضى المتكاملة» الذي راهنت عليه واشنطن لتخفيض كلفة الحرب وتعظيم مردودها السياسي.
مصادرة ستين ألف قطعة سلاح في محافظة بوشهر، كانت في طريقها إلى طهران، لم تكن مجرد إحباط عملية تهريب، بل إفشال مشروع حرب داخل العاصمة. هذه الكمية كافية لإشعال مركز الدولة في اللحظة ذاتها التي تُفتح فيها جبهة خارجية. في الحسابات الأميركية، لا تُنفَّذ ضربة على دولة بحجم إيران من دون ضمان انفجار داخلي متزامن يربك القيادة ويشلّ القرار. ما حدث في بوشهر نسف هذا الافتراض من أساسه، وأعاد رسم ميزان المخاطر.
الأخطر من الشحنة نفسها كان ما كُشف حول بنيتها التشغيلية. اعتقال عميلة مرتبطة بأجهزة استخبارات أجنبية وشبكات قياديين خبراء مدعومين من الخارج، كانوايستعدون لقيادة الشغب المسلح من الداخل، أكد أن طهران لم تكن في موقع الدفاع، بل في موقع الصيد الاستخباراتي المنهجي. وهذا يعني أن غرف العمليات التي عُوِّل عليها لتفعيل الداخل باتت مكشوفة، وأن مفاتيح التفجير سقطت قبل لحظة الاستخدام.
وتكامل هذا المسار مع موجة اعتقالات واسعة طالت قادة الشغب المنظّم، لا المنفذين فقط، في طهران ومشهد ومحافظات الشمال والشرق، بعضها مرتبط مباشرة بالأراضي المحتلة. إعلان وزارة الاستخبارات عن تفكيك شبكات كاملة واعتقال نواتها الصلبة أشار بوضوح إلى انتقال الدولة من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة التجفيف البنيوي للفوضى.
في هذا السياق، لا يُقرأ الرقم المعلن عن اعتقال نحو ثلاثة آلاف عنصر مسلح بوصفه إنجازا أمنيا فحسب، بل رسالة استراتيجية مفادها أن الساحة الداخلية أُغلقت قبل أي مواجهة كبرى. ومع إغلاق الداخل، تفقد الضربة الخارجية عنصر المفاجأة، وتتحول من أداة حسم إلى مغامرة عالية الكلفة، قد تفضي إلى نتيجة معاكسة تماما توحيد المجتمع حول الدولة بدل تفكيكه.
الأكثر حساسية في الحسابات الأميركية كان الفشل الكامل في اختراق الحلقة القيادية العليا. عدم القدرة على استهداف المرشد الأعلى أو أي من القادة المركزيين المؤثرين أسقط أحد أخطر رهانات الحرب الهجينة: شلّ القيادة عبر الضربة الرأسية. استمرار القيادة في الظهور وإدارة المشهد وإرسال الرسائل السياسية والأمنية أكد أن مركز الثقل ما زال متماسكا. خطاب السيد علي خامنئي، الذي تحدث صراحة عن إحباط الفتنة واعتقال قادة التخريب، لم يكن معنويًا فقط، بل إعلانًا عن صلابة الهرم القيادي في لحظة اختبار قصوى.
ويعزّز ذلك الحضور العلني للقيادة العسكرية، حيث جاءت تصريحات رئيس هيئة الأركان العامة اللواء عبد الرحيم موسوي لتؤكد أن ما جرى لم يكن احتجاجات عفوية، بل هجمات منظمة استخدمت المدنيين دروعا بشرية، وأن الرد سيكون بمستوى التهديد. هذا التماسك السياسي–العسكري بدّد أي رهان على فراغ أو ارتباك في مركز القرار.
وفي الفضاء السيبراني، وجّهت إيران رسالة موازية. الضربة الإلكترونية التي عطّلت نطاقا واسعا من خدمات «ستارلينك» عبر استهداف أنظمة تحديد المواقع لم تكن حادثًا تقنيًا معزولًا، بل استعراضًا لقدرة تمسّ أحد أعصاب الحرب الحديثة. فـ«ستارلينك» ليست مجرد شبكة اتصال، بل منصة قيادة وتحكم ميداني. المساس بها يعني أن أي حملة عسكرية قد تواجه شللا في الاتصالات وانكشافا عملياتيا في أكثر الميادين حساسية.
سياسيا، جاءت الإشارات من واشنطن نفسها كاشفة. نفي الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعرضه لضغوط من «إسرائيل» أو أطراف عربية لعدم استهداف إيران، وإصراره على أنه «اتخذ القرار بنفسه»، لا يُقرأ كتصريح إعلامي عابر، بل كاعتراف غير مباشر بأن التراجع نابع من تقدير المخاطر لا من ضغوط الحلفاء. عندما يضطر الرئيس الأميركي لتبرير الامتناع بهذه الصيغة، فهذا يعني أن شروط الهجوم لم تكتمل.
إلى ذلك، حمل الموقف الإيراني القائل إن أي مواجهة ستُخاض بالقدرة الذاتية بعدا ردعيا إضافيا. فهو يسحب ذريعة التوسيع الإقليمي من يد واشنطن، ويُسقط سردية «الحرب على الأذرع»، ويعيد الصراع إلى معادلة دولة مقابل دولة، بما يرفع كلفة القرار الأميركي ويضيّق هامش المناورة.
خلاصة المشهد أن إيران لم تعد الطرف الذي ينتظر الضربة، بل الطرف الذي أغلق الداخل، فكك الشبكات، حافظ على تماسك القيادة، ورفع منسوب الردع في البر والفضاء السيبراني معا. في ظل هذه المعادلة، تصبح الضربة الأميركية محدودة الجدوى، عالية المخاطر، ومفتوحة على تصعيد لا يمكن التحكم بمآلاته.
لهذا تحديدًا، لم تتراجع واشنطن لأنها لا تريد المواجهة، بل لأنها فشلت في تأمين شروطها الأساسية: لا فوضى داخلية، لا رأس قيادي غائب، ولا انهيار في القيادة والسيطرة. وعندما تسقط هذه الركائز، تتحول القوة العسكرية من أداة ضغط إلى عبء استراتيجي.
وهنا، تكون إيران قد ربحت المعركة الأهم… قبل أن تبدأ الحرب.