د . مهدي مبارك عبد الله
مع نهاية عام 2025 وبداية عام 2026 دخلت العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية في إيران في مرحلة توتر شديد زادت معها التكهنات والمخاوف من احتمال توجيه ضربة عسكرية أميركية مباشرة ضد طهران وهذا التوتر كان نابعا من تضاعف الاحتجاجات الداخلية في إيران والمزاعم الأميركية بأن النظام الإيراني يقمع المحتجين بطريقة عنيفة وهو ما أثار لدى بعض دوائر الإدارة الأمريكية ومن خلفها ترامب فكرة التصعيد العسكري ومع ذلك ورغم كل هذه التهديدات والتصريحات لم يتحرك البيت الأبيض نحو تنفيذ الضربة بل أعلن الرئيس دونالد ترامب في اللحظات الأخيرة تأجيل الخيار العسكري مؤقتاً رغم إقراره بأن القوة تبقى أحد الخيارات المتاحة
أولى الأسباب التي يمكن تحليلها بشكل مستقل تكمن في المعلومات الاستخباراتية التي تلقتها الإدارة الأمريكية بشأن تصاعد ردود الفعل الإيرانية المحتملة فهنالك عدة تقارير وتحليلات أمريكية أشارت إلى أن أي ضربات عسكرية مباشرة قد تواجه ردوداً انتقامية قاسية من طهران تجاه قواعد أميركية في المنطقة بما في ذلك استهداف قواعد في الخليج أو العراق أو حتى القوات الأمريكية المنتشرة في سوريا كما أشارت المصادر إلى وجود تهديدات بأن روسيا أو حزب الله قد يتدخلان بشكل غير مباشر ما يعقد الحسابات العسكرية ويزيد من مخاطر توسيع رقعة الصراع وهذا الهاجس من ردود الفعل الصارمة جعل دراسة التكاليف السياسية والعسكرية المتوقعة تتجاوز المنافع المتوقعة لهجوم سريع
في ذات السياق تكتسب زيارة رئيس جهاز الموساد الاخيرة دافيد برنباع إلى واشنطن دلالة استراتيجية عميقة إذ لم تعد تُقرأ كزيارة تنسيقية تقليدية بقدر ما تعكس محاولة إسرائيلية جادة لإيصال رسالة تحذير مباشرة للإدارة الأميركية مفادها أن إشعال المواجهة مع إيران في هذا التوقيت سيجعل إسرائيل ساحة الاشتباك الأولى، وأن تكلفة الردع المتبادل قد تجاوزت العتبة التي يمكن السيطرة عليها. هذا التحول في المزاج الإسرائيلي من الدفع نحو الضربة إلى التحذير من عواقبها شكّل عاملاً مؤثراً في إعادة ضبط إيقاع القرار الأميركي لأن واشنطن تدرك أن أي حرب تُضعف أمن إسرائيل أو تعرّض بنيتها التحتية لضربات قاسية ستقوّض أحد أعمدة استراتيجيتها في الشرق الأوسط بدلاً من تعزيزها
الملاحظ ان التوازن العسكري الاستراتيجي لعب دوراً محورياً حتى وإن كانت القوة العسكرية الأمريكية تبقى الأكبر في العالم فإن الحسابات على الأرض في الشرق الأوسط معقدة للغاية والموقع الجغرافي لإيران ودفاعاتها الجوية المتطورة نسبياً وجود صواريخ باليستية إضافة إلى الشبكات الإقليمية التابعة للحرس الثوري الإيراني جعل أي هجوم يخشى أن يكون مكلفاً بشكل غير متناسب والإدارة الأمريكية وجدت نفسها مجبرة على طرح سيناريوهات كثيرة منها كان توقع حدوث خسائر بشرية ومادية في حال التصعيد العسكري وهو ما لا ينسجم مع أهداف سياسية داخل الولايات المتحدة تحظى بقبول شعبي أو برلماني قوي
هنالك سبب آخر مهم كان نابعاً من الحسابات الدبلوماسية والفرص السياسية التي بدأت بالظهور في اللحظات التي سبقت القرار حيث أعلن ترامب أنه تلقى معلومات مؤكدة عن تراجع مستوى العنف ضد المتظاهرين داخل إيران وحتى وقف الإعدامات وهو ما اعتبره البعض مدخلاً دبلوماسياً يمكن استثماره بدلاً من تحويل الأزمة إلى حرب مفتوحة وهذا الإعلان حتى وإن كان محل تنقية من مصادر متعددة الا انه منح ترامب ما يشبه المبرر السياسي لتأجيل الضربة لأنه بدا كأنه استجاب لمطلب أخلاقي بوقف العنف، وليس كأنه يستسلم لضغوط خارجية
كما كان للبعد الداخلي في السياسة الأمريكية تأثير واضح على قرار ترامب في نهاية المطاف حيث يواجه حاجزاً شعبياً ومؤسساتياً تجاه أي حرب جديدة في الشرق الأوسط، خاصة وان الذاكرة الأمريكية ما زالت لم تندمل من التدخلات الطويلة في العراق وأفغانستان وغيرها وكثير من أمريكيين وحتى داخل الحزب الجمهوري ذاته كانوا يعبرون عن ترددهم من التورط في صراع عسكري كبير في المنطقة ومثل هذه الآراء أثّرت بالتأكيد على حسابات البيت الأبيض إذ أن قرار الحرب يشترط غالباً تبنياً شعبياً واسعاً وإسناداً من الكونغرس، وهو ما كان غير متوفر
بالإضافة إلى العوامل السابقة لا يمكن إغفال الضغط الدولي الإقليمي والدبلوماسي لعدة دول ومنظمات حاولت التوسط أو التخفيف من التصعيد حيث برز الدور الخليجي بوصفه أحد أكثر العناصر حساسية وتأثيراً في لحظة التأجيل والدول الخليجية وفي مقدمتها السعودية وقطر وسلطنة عُمان لم تتحرك بدافع التعاطف مع إيران بقدر ما تحركت انطلاقاً من إدراك عميق بأن أي مواجهة عسكرية شاملة ستجعل الخليج ساحة مفتوحة للرد الإيراني سواء عبر استهداف القواعد الأميركية أو عبر ضرب منشآت الطاقة والممرات البحرية الحيوية وهذه الدول التي راكمت خلال السنوات الأخيرة خبرة مريرة مع التوترات الإقليمية أدركت أن ثمن الحرب لن يكون سياسياً فقط، بل اقتصادياً وجودياً يمس استقرارها الداخلي ومكانتها في سوق الطاقة العالمي لذلك قادت مسعى دبلوماسياً مكثفاً في اللحظات الأخيرة لإقناع ترامب بمنح إيران نافذة زمنية لإظهار ما يمكن تسميته بحسن النية وهو مسعى لم يكن مجرد دعاية إعلامية بل جاء منسجماً مع مصالح أميركية مباشرة تتعلق بأمن القواعد واستقرار أسواق النفط وتجنب انفجار إقليمي واسع
كما ساهمت العديد من التطورات الميدانية في تخفيف منسوب التوتر حيث جرى تقليص حالة الاستنفار في بعض القواعد الأميركية وعادت الطائرات تدريجياً إلى مواقعها السابقة ما عكس تراجع مستوى التهديد المباشر كما أن تصريحات ترامب حول تلقيه تطمينات من مصادر وصفها بالمهمة للغاية في طهران بشأن وقف الإعدامات وتخفيف اجراءات العنف ضد المتظاهرين وفرت له مخرجاً سياسياً مناسباً لتبرير التراجع وإظهار القرار على أنه استجابة لمعطيات إنسانية وأخلاقية لا نتيجة ضغوط أو مخاوف استراتيجية
أما على الضفة الإيرانية فإن ما ساهم في ترجيح كفة التأجيل هو إدراك واشنطن أن إيران لم تعد في وضع دفاعي هش كما في مراحل سابقة بل عملت خلال الاشهر الأخيرة على تحصين منشآتها النووية والعسكرية وتطوير شبكاتها الدفاعية الجوية وتنويع مصادر تسليحها بما يشمل تقنيات صينية وروسية وكورية فضلاً عن تراكم خبرة عملياتية في استخدام الصواريخ والمسيّرات وهذا الواقع جعل فكرة الضربة السريعة والحاسمة أقرب إلى الوهم منها إلى الخيار الواقعي لأن أي هجوم لن يضمن شل القدرات الإيرانية بل قد يطلق سلسلة من الردود المتدرجة التي تستنزف الجميع وتكسر قواعد الاشتباك التقليدية
بالتدقيق في مجمل الوقائع والتطورات الميدانية نجد إن تأجيل الخيار العسكري ضد إيران لم يكن نتيجة عامل واحد أو قرار عابر بل جاء ثمرة تفاعلات معقدة بين مخاوف إسرائيلية حقيقية من حجم الانتقام الإيراني وضغوط خليجية مدفوعة بحسابات الاستقرار والأمن واستعداد إيراني متزايد غيّر معادلات الردع إلى جانب اعتبارات أميركية داخلية ودولية أوسع وهذا التأجيل لا يعني بالضرورة إسقاط الخيار العسكري نهائياً لكنه ولكنه يعكس واقعية حسابية في إدارة أزمة حساسة يمكن أن تؤدي إلى نتائج تتجاوز بكثير حدود المنطقة وأن كلفة الحرب باتت أعلى من مكاسبها المحتملة وأن إدارة الصراع في هذه المرحلة تبدو الخيار الأقل خطورة في منطقة تقف على حافة انفجار واسع
ختاما يمكن القول إن قرار تأجيل الخيار العسكري ضد إيران لم يعد يُفهم فقط بوصفه قراراً أميركياً أحادياً نابعاً من حسابات البيت الأبيض الداخلية أو من تقديرات البنتاغون التقليدية، بل أصبح نتاجاً لتشابك غير مسبوق بين هواجس أمنية إسرائيلية وضغوط خليجية محسوبة وتقديرات ردع إيرانية متقدمة فرضت نفسها على طاولة القرار في واشنطن وإسرائيل التي تُقدَّم عادة على أنها الدافع الأول لأي تصعيد ضد إيران وجدت نفسها هذه المرة في موقع القلق العميق لا الحماسة بعدما أظهرت التقديرات الأمنية أن أي ضربة أميركية لإيران لن تبقى محصورة جغرافياً أو زمنياً، بل ستفتح الباب أمام رد انتقامي واسع النطاق تكون إسرائيل في صدارته الحديث داخل الدوائر الأمنية الإسرائيلية لم يعد يدور حول ما إذا كانت إيران سترد بل حول حجم الرد وكلفته خصوصاً في ظل تهديدات إيرانية بإطلاق آلاف الصواريخ في الضربة الأولى، إضافة إلى أسراب كبيرة من المسيّرات وهو سيناريو كفيل بشل مطارات وموانئ ومنشآت حيوية ومدن رئيسية داخل إسرائيل وإحداث خسائر بشرية ومادية غير مسبوقة قد تعجز منظومات الدفاع الجوي عن مواجهتها او احتوائها بالكامل مهما بلغت درجة تطورها
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية