هكذا تنقلب الصور في سيكولوجية الحروب‎
مقالات
هكذا تنقلب الصور في سيكولوجية الحروب‎
حسن علي طه
7 آذار 2026 , 06:20 ص

كتب حسن علي طه

أحيانًا قد تكون الخسارة مكسبًا، بحسب من هم اللاعبون وما هي أهدافهم.

وفي لعبة الحرب كذلك هو الحال. وللتوضيح تكفي حرب غزة أمام أمم الأرض،

أو صمود أوكرانيا ثلاث سنوات في حربها مع روسيا، الدولة التي كانت يومًا ما تقود معسكر نصف الأرض وتمتلك الفيتو والسلاح النووي.

فماذا عن حرب إسرائيل ولبنان؟

على مدى سبعة عشر عامًا مرّ لبنان بواحدة من أطول فترات الهدوء مع العدو الإسرائيلي،

هذا الهدوء أتى بعد نصر تموز 2006، واستمر حتى عملية طوفان الأقصى ودخول المقاومة في إسناد غزة عام 2023.

طوال مدة الهدوء كان العدو الإسرائيلي يعيد بناء جيشه ويعمل على مراكمة المعلومات، لنعرف لاحقًا حجم إحاطته واطباقه نتيجة ما حصل.

في المقابل عملت المقاومة على بناء جيش وامتلكت قوة لا يستهان بها هذه القوة تربّى عليها جيلان من أبناء مجتمع المقاومة،

الذي وعى وهو يعرف أن المقاومة رمز للقوة والشجاعة والبطولات، وهي كذلك فعلًا.

مع بداية الحرب إسنادًا لغزة بدا أن شيئًا في المشهدية غير مريح، من:

كثرة عدد الشهداء.

اغتيالات القادة التي بدأت باكرًا مطلع العام 2024 مع اغتيال الشهيدين وسام الطويل وصالح العاروري.

كانت الدقة في التنفيذ والأسلوب لافتة حدّ الصدمة. واستمر الحال على هذا المنوال إلى يوم وقف إطلاق النار، مرورًا بعملية البيجر واللاسلكي وقتل كبار القادة، وصولًا إلى السيدين نصرالله وصفي الدين.

أتى وقف النار بطريقة ملتبسة، إذ إن حجم الخسائر والدمار بعد وقف النار كان أضعافًا مضاعفة عمّا حصل على مدى عام كامل.

قبلت المقاومة وقف النار والتزمت به التزامًا كاملًا، مدّعية الصبر والعقلانية. وبغضّ النظر عمّا إذا كان هذا الصبر قرارًا أم إلزامًا قهريًا،

إلا أن المشهد كان سوداويًا نتيجة انقلاب الصورة في العقل الجمعي للمقاومة وجمهورها، الذي كان يمنّي النفس بزوال إسرائيل واستعداده لدخول شمال فلسطين في أي معركة ستحصل.

أتت حسابات الحقل عكس حسابات البيدر، لتتحول معها نتيجة الحرب إلى أضعاف مضاعفة.

وبنتيجة ما حصل استطاع الأمريكي والسعودي العودة للداخل اللبناني من الباب الواسع، ودون أي معارضة تُذكر.

عون رئيسًا للبلاد، ومعه خطاب قسم يتمحور حول بند واحد: سلاح المقاومة.

نواف رئيسًا للحكومة، وبيان وزاري يتحدث عن نزع السلاح.

وعلى مدى خمسة عشر شهرًا كانت النتائج كالتالي:

استباح العدو كل لبنان.

اغتيالات وقتل وتدمير.

حصار مالي لمنع الإعمار، وهو ما كان مطلبًا يطرحه رئيس الجمهورية في لقاءاته مع قادة الدول وسفرائهم، ولا سيما دول الخليج. وللغاية مُنع الطيران الإيراني من الهبوط في مطار بيروت.

وأصبحت حقائب الدبلوماسيين الإيرانيين خاضعة للتفتيش، في مقابل فتح المجال الجوي للطيران الأمريكي، ومن خلفه إسرائيل، في قاعدة حامات وما كُشف عنها مؤخرًا.

شربت السلطة حليب السباع من قرار الخامس من آب إلى السابع من أيار، وزادت في التسلط، حتى منعت إضاءة صورة على صخرة .

مخافر تستنفر لا لمخالفات عمرها عشرات السنين كالأملاك البحرية، بل لمنع إعمار منزل في قرى الشريط الحدودي بحجة مخالفة رخصة إعمار، واعتقال من يملك حطب تدفئة جمعه من بقايا الأشجار التي قصفها العدو في حولا، القرية الحدودية.

مارست السلطة السياسية كل صنوف الحقد والكراهية، متماهية مع اعتداءات العدو، ومتجاهلة أكثر من خمسة وثلاثين ألف خرق واعتداء.

أسرع نواف في قرار خطة شمال النهر، حتى لو أدى ذلك إلى دم بين أبناء الوطن الواحد.

وأدلى في زيارته إلى الجنوب بأنه لا يملك أي ضمانات لوقف الاعتداء، ولكنه يريد السلاح.

أما عون فقد فتح قصر الرئاسة لكل الأبواق التي تشتم المقاومة، يتباهى في صوره معهم أفرادًا وجماعات.

كل ما تقدم غيض من فيض حقد وكراهية أهل الحكم في لبنان.

صورت المقاومة وكأنها في حالة عجز أو موت سريري.

ظهر هذا العجز في قراراتهم المشبوهة وجوقة المطبّلين المأجورين ضيوف الشاشات ومواقع الإعلام.

صمتت المقاومة وصبرت، فُسّر صمتها اعترافًا وقبولًا بالهزيمة حدّ الوفاة.

هذه المشهدية تشبه نفس المشهدية التي أظهرتها وتمتعت بها المقاومة قبل حرب الإسناد،

فكانت أولى النكسات تأسيسًا لسقوط أحجار الدومينو تباعًا.

انتهت المقارنات.

فجر الاثنين 2 آذار 2026،

أعلنت المقاومة الإسلامية في ذلك الفجر البيان رقم واحد عن رشقة صواريخية

أيقظت أهل الأرض والسماء.

ما بين مستنكر وخائف، حتى الأصدقاء على قلتهم صُدموا:

ماذا أنتم فاعلون؟

الحاقدون اتهموا المقاومة بأنها دمّرت لبنان عندما ساندت غزة، وتعيد الكرة في إسنادها لإيران.

وما أن انبلج صباح الثاني من آذار وانجلى غبار الصواريخ،

جنّ جنون العدو ومعه أهل الحكم في لبنان،

وهم وقعوا في شر أعمالهم إذ كذبوا كذبة وصدقوها

أن المقاومة ماتت وحان وقت دفنها فاتت صواريخ فجر الاثنين لتصيب كل قرارات مجلس الوزراء وخطابات جوزاف عون أمام السفراء والتي أضحت ما بين حبر على ورق وكلام خباء في الهواء.

صُدم الجمع: كيف لمقاومة مهزومة مأزومة ميتة أن تبعث من جديد بكامل أناقتها وروح شبابها؟

ومن على المسافة صفر بدأت المعارك.

العدو الذي كان يسرح ويمرح قبل أيام في ظل سيادة جوزاف ونواف لقّن الدرس بالرصاص.

وعاد زمن الصراع ما بين الكورنيت وعربة الرب: الميركافا.

اليوم أتمت الحرب يومها الرابع بمشهدين رائعين لا يعرف طعمهما إلا من يعرف معنى الشرف، لا قلّته، والكرامة لا متنازل عنها بثمن بخس.

أهل صبر افترشوا أرض الشوارع في عزّ طقس بارد، والكثير منهم قد لا يملك قوت إفطار في شهر رمضان،

وجلّهم وعن بكرة أبيهم يعرف أن كلفة هذه الحرب عالية: من الروح إلى الرزق وجنى العمر. والكلمة واحدة فدا الشباب.

من هم الشباب؟

هم أناس أعاروا الله جماجمهم، أيتموا العيال، ووقفوا أمام أعتى قوة عراة إلا من إرادة لا تهزم ولا تقهر.

من هم الشباب؟

هم من وضعنا كرامتنا وعزتنا بين أيديهم، وكل ما نملك في هذه الدنيا تحت أقدامهم.

ونحن نثق بهم كما نثق بالله،

أنهم قادرون على حفظ الأمانة وصونها، ومعها صون دماء آلاف الشهداء من أول يوم وأول شهيد في وجه العدو الإسرائيلي.

وغير ذلك من بعدكم على الدنيا العفا والسلام.

الأكثر قراءة أنشودة يا إمامَ الرسلِ يا سندي, إنشاد صباح فخري
أنشودة يا إمامَ الرسلِ يا سندي, إنشاد صباح فخري
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً