مقدمة: لحظة مفصلية في صراع العصر*
تأتي هذه الحلقة للكاتب ميخائيل عوض في لحظة تتكثف فيها التحولات الإقليمية والدولية، حيث يبدو أن الصراع الأميركي – الإيراني يدخل مرحلة “تبريد” ظاهر، يطرح أسئلة كبرى:
هل نحن أمام انفراج حقيقي؟
أم أمام خدعة استراتيجية لاستكمال الاستعداد والضربة على حين غرة؟
من هذا المدخل، لا يكتفي د.عوض بالقراءة السياسية المباشرة، بل يؤسس لتحليل جيواستراتيجي وتاريخي يعيد ترتيب الأولويات، ويضع القضية الكردية في قلب التحولات السورية والإقليمية، بوصفها اختبارًا لفهم الأمة، والدولة، والهوية، وحدود التلاعب الخارجي.
*أولًا: التبريد الأميركي – الإيراني… هزيمة مؤجلة أم خدعة حرب؟*
يرفض د عوض المقاربة السطحية التي تختزل التبريد الحالي في “تكتيك إعلامي”، ويطرح سؤالًا منهجيًا:
هل يمكن أخذ إيران على حين غرة مرة ثانية؟ بحسب:
1. _المعطيات المادية لا الانطباعات_
يؤكد أن التحليل الجدي يجب أن يستند إلى عناصر مادية وموضوعية، لا إلى الضخ الإعلامي أو “البهارات السياسية”، ومن هذه العناصر:
- ميزان القوى الإقليمي الذي تغيّر لصالح إيران وحلفائها.
- العجز الأميركي عن الإجابة على سؤال “اليوم التالي” لأي ضربة لإيران.
- اعتراف قيادات عسكرية وأمنية أميركية بعدم الجاهزية للحرب الشاملة.
2. _ترامب: قرار فردي لا تحكمه إسرائيل ولا الخليج_
يفكك د عوض وهم “إسرائيل تحكم أميركا”، ويؤكد أن ترامب يتصرف كحاكم فرد، كـ“قيصر سياسي”، يرى الشرق الأوسط عبئًا لا مركزًا للهيمنة.
مشروعه ليس شرطة العالم، بل:
الانسحاب من الاستنزاف الخارجي. وإعادة تموضع أميركا كقوة كبرى لا كإمبراطورية منهكة.
3. _معنى التبريد إن كان حقيقيًا_
إذا كان التبريد نتيجة قوة إيران وتحالفاتها، فنحن أمام:
- هزيمة استراتيجية لواشنطن وتل أبيب في جولة حاسمة من “حرب الوجود”.
- بداية تراجع متسارع للقوى المهزومة، مقابل صعود وبناء متسارع للقوى المنتصرة.
*ثانيًا: بوتين… حصان طروادة أم سلم نزول؟*
يرى د.عوض أن التوصيفات التبسيطية لدور روسيا هي تسطيح في التحليل لاستراتيجية عقل بوتين فهو
ليس “سمسارًا” بالمعنى الساذج.
ولا وسيطًا بريئًا.
فروسيا، ومعها الصين وباكستان، ترى أن:
- ضرب إيران يهدد النظام الدولي برمته.
- تدمير نفط إيران والخليج يضرب الاقتصاد العالمي ويصيبها مباشرة.
من هنا، فإن التبريد يخدم مصلحة دولية أوسع، لا مصلحة إيران وحدها،
وحتى مع ما يمكن أن يحمله ضرب إيران من منفعة اقتصادية كبرى لروسيا فإن السؤال ليس هل يلعب بوتين على الحبال ويقبل بضربة امريكية، فهذا منطق السياسة القائمة على المصالح لا التحالف؟ ولكن السؤال الأهم هو هل طهران ساذجة لتُخدع في لعبة مكشوفة؟ المنطقي بحسب د.عوض أنها تدرك المصالح والفرص والمخاطر لكل الأطراف.
*ثالثًا: سوريا مجددًا في قلب الزلزال*
ينتقل د.عوض إلى الساحة السورية بوصفها مرآة التحولات الكبرى، ومختبر الصفقات الدولية.
1. حشود الجولاني: معركة حقيقية أم بهارات اتفاق؟
يرى أن الاشتباكات في حلب، الشيخ مقصود، ومنبج ليست إلا مظاهر صاخبة لتغطية تفاهمات دولية.ضحاياها مدنيون ومقاتلون جرى الزج بهم في لعبة أكبر منهم.
فالقرار ليس بيد الجولاني ولا “قسد”، بل بيد واشنطن، التي تستطيع إيقاف كل شيء بضربة يد واحدة من توماس براك على الطاولة.
*رابعًا: القضية الكردية… من حق تاريخي إلى مأزق سياسي*
1 *. الأمة والوطن: طوران* تاريخيان: ينطلق د.عوض من قاعدة فكرية حاسمة:
"الأمة والوطن طوران تاريخيتان.لا تستقر منطقة ما لم تكتمل الهويات القومية الأساسية فيها."
وفق هذا المنظور:
الأمة العربية تستوفي أكثر من 150% من شروط التكوّن القومي. والأمة الكردية تستوفي ما بين 60–70% من هذه الشروط، ما يمنحها حقوقًا قومية تاريخية لا يجوز إنكارها.
2. *تمركز القضية الكردية الحقيقي...القضية الكردية بين وستفاليا ولوزان: التفصيل التاريخي في قراءة ميخائيل عوض*
ينطلق ميخائيل عوض في مقاربته للقضية الكردية من لحظة مفصلية في التاريخ السياسي العالمي: معاهدة وستفاليا عام 1648، لا بوصفها حدثًا أوروبيًا معزولًا، بل باعتبارها الولادة الفعلية للنظام الدولي الحديث. فهي التي أنهت الحروب الدينية في أوروبا.
وأطلقت مفهوم الدولة – الأمة ذات السيادة. نقلت الصراع من الدين إلى القومية، والاقتصاد، والهوية السياسية.
كما أسست لشرطين مركزيين:
سيادة الدولة على أرض محددة.
وتماهي الشعب مع هذه الدولة عبر هوية قومية جامعة.
ويؤكد عوض أن
المشرق العربي والإسلامي لم يدخل العصر الوستفالي طوعًا بل أن الشرق خارج وستفاليا
فالإمبراطوريات (العثمانية، الصفوية) كانت تقوم على:
الدين؛السلطنة؛ الرعايا لا المواطنين.
والأكراد، ضمن هذا السياق:
لم يكونوا أمة سياسية مستقلة.
كانوا جماعات إثنية – ثقافية ضمن الإمبراطورية العثمانية، تتمتع أحيانًا بحكم ذاتي عشائري، لا سيادة قومية.
ثم يرسم د.عوض المسار التاريخي من وستفاليا إلى سايكس – بيكو حيث كان تفجير المسألة القومية
فمع انهيار السلطنة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، انتقلت المنطقة قسرًا إلى منطق وستفاليا، لكن دون بناء أمم.
ودون توافقات داخلية؛ وبأدوات استعمارية.
وهنا كانت لحظة فتح الباب الكردي للمرة الأولى، حيث طُرحت “المسألة الكردية” بوصفها:قضية شعب لا مجرد جماعات إثنية. لكن هذا الطرح جاء وفق د.عوضأداة تفاوض بين القوى الكبرى وليس استجابة لحق تقرير مصير حقيقي.
ثم ينتقل د.عوض لمعاهدة لوزان التي تُعد النقطة الأكثر حساسية في قراءة عوض، لأنها
أغلقت الباب رسميًا أمام أي كيان كردي مستقل.وكرّست الدولة القومية التركية الحديثة.
1. ما الذي سبق لوزان؟
فمعاهدة سيفر (1920) تضمنت
احتمال إقامة دولة كردية.
أو كيان ذي حكم ذاتي.
لكن صعود حركة مصطفى كمال أتاتورك وحاجته لتثبيت دولة تركية قوية إضافة إلى تواطؤ القوى الغربية. كل هذا أدى إلى
إسقاط سيفر والذهاب إلى لوزان. وفق لوزان اعترفت تركيا بحدودها الحالية تقريبًا.
وألغت أي ذكر لحقوق قومية كردية ثم وزعت الأكراد بين
تركيا (الكتلة الأكبر)؛ العراق، سوريا، إيران.
وهنا يطرح عوض فكرة مركزية:
القضية الكردية الحديثة هي نتاج صفقة دولية، لا مسار تحرر ذاتي مكتمل.
*خامسًا: جغرافيا الأكراد... مأزق الهوية والدولة*
يفكك د عوض الجغرافيا السياسية للكرد
وفق قراءة د.عوض، فإن لوزان لم تُنهِ القضية، بل حددت مركز ثقلها حيث توزع الأكراد:
1. *تركيا: القلب الصلب*
جنوب شرق الأناضول (13 محافظة).كثافة سكانية كردية تقارب 90–97%. تواصل جغرافي.لغة واحدة بلهجات.
اقتصاد محلي متشابك.
هنا:
تتوافر أعلى نسبة من شروط الأمة بالمعنى الوستفالي.
لذلك، القضية الكردية في جوهرها وفق د.عوض قضية تركية.
2. *العراق: تجربة مشوهة*
نشأت “كردستان العراق” في ظل الحماية الغربية وضعف الدولة المركزية، وبذلك تحولت إلى شبه دولة بلا سيادة حقيقية مرتهنة للغرب.
يشبهها د.عوض بالكيانات العربية حيث دولة بلا أمة، ونخبة بلا مشروع.
3. *سوريا: جالية لا أمة مؤسسة*
يؤكد عوض أن نسبة الأكراد لا تتجاوز 10% من دون تواصل جغرافي قومي مستقل وكان هناك اندماج تاريخي في الدولة والمجتمع. بالتالي القضية في سوريا حقوق مواطنة وثقافة
لا حق سيادة أو تقرير مصير قومي. في سوريا نحن أمام قضية جالية وهوية ثقافية لا قضية أمة مؤسسة فنسبة الكرد في سوريا لا تتجاوز 10%.في الحسكة نسبتهم لا تتجاوز 26%وفق القانون الدولي، لا يترتب على هذه النسب حق سيادة أو دولة ثنائية القومية.
كل ما بُني على “روج آفا” كان وهمًا سياسيًا قاتلًا.
4 *. إيران: احتواء لا انفصال*
في إيران لا وجود لسردية تاريخية قوية لدولة كردية، و
النظام الإسلامي تعامل مع الأكراد كمواطنين بحقوق ثقافية
دون تحويل القضية إلى ملف انفصالي.
*سادسًا: نقد موضوعي للقيادات الكردية*
يضع د عوض إصبعه على الجرح فالقيادات الكردية، كما العربية، تعاني من عقلية زبائنية وشخصانية.
ارتهنت للخارج، خصوصًا للولايات المتحدة والأطلسي.
ولم تبنِ مشروعًا وطنيًا سوريًا عصريًا جامعًا. فكانت النتيجة:
بيع وتخلٍ أميركي متكرر.
خسارة القضية بدل تثبيتها.
*سابعًا: قسد بين الانسحاب والتصفية*
يرجّح عوض أن الانسحاب من غرب الفرات تم بقرار دولي.
فشرق الفرات مرهون بصفقة أميركية أوسع وبالتالي أي هجوم تركي أو للجولاني شرق الفرات دون ضوء أخضر أميركي هو مستحيل.
لكن يبقى السؤال الأخطر:
هل قررت واشنطن تصفية الورقة الكردية إرضاءً لأنقرة ضمن صفقة إقليمية كبرى؟
*خاتمة: المنطقة على عتبة إعادة التشكيل*
تخلص القراءة إلى خلاصة استراتيجية كبرى:
- التبريد مع إيران، إن ثبت، هو بداية انهيار النظام الإمبراطوري القديم.
- سوريا ستبقى ساحة اختبار لمصير الأمة العربية والقضية الكردية معًا.
- لا خلاص بلا مشروع عصري، وطني، تحرري، يقطع مع الارتهان، ويؤسس لحقوق حقيقية ضمن ميزان القوى لا الأوهام.
نحن أمام زمن تسارع تاريخي، حيث الجولات الأخيرة هي التي تحسم، وحيث من يخطئ الحساب يدفع الثمن وجودًا لا نفوذًا.
لمتابعة الحلقة كاملة على الرابط
https://youtu.be/kLL02Nb_GMs?si=xeQPevZYvYwftJLl