بقلم: ( عباس المعلم)
يُحكى أن بيتاً عتيقاً، كثير الغرف، هشّ الجدران، تُرك طويلاً بلا صيانة. لم يسقط دفعة واحدة، بل تصدّع بصمت، حتى جاء يوم خرج فيه ساكنه القديم من الباب الخلفي، تاركاً المفاتيح على الطاولة. لم يدخل البيت أهله، بل دخل إليه الحُرّاس.
هكذا دخلت السلطة الجديدة إلى دمشق. لا كامتداد طبيعي للبيت، ولا كوريث شرعي لتاريخه، بل كقوة ضبط اعتقدت أن حراسة المكان تكفي لامتلاكه. لم تسأل عن عدد الغرف، ولا عن الشقوق في السقف، ولا عن سكان الطوابق السفلى الذين عاشوا سنوات تحت الركام. افترضت أن إغلاق الأبواب والنوافذ سيُسكت الصرير.
لم يكن ما جرى انتقالاً، بل سوء قراءة. فالدولة التي تآكلت لم تسقط لأنها هُزمت، بل لأنها لم تعد مطلوبة. وحين انتهت وظيفتها، تُركت لتفرغ من الداخل. عندها، تقدّم آخرون، لا يحملون مخطط ترميم، بل جدول حراسة. دخلوا بسرعة، بثقة من يظن أن السيطرة على المدخل تعني امتلاك البيت.
السلطة التي وُلدت من الخارج تعاملت مع المكان كخرائط، لا كحياة. ظنّت أن الاعتراف الدولي شهادة ملكية، وأن التفاهمات الإقليمية عقد إيجار طويل الأمد. لم تفهم أن البيوت القديمة لا تسكنها بالقوة، بل بالذاكرة، وأن من لا يعرف تاريخ الشقوق، سيسقط تحت أول اهتزاز.
شيئاً فشيئاً، اكتشف الحُرّاس أنهم لا يتحكمون بالبيت، بل يتحركون داخله بحذر. في كل زاوية عين تراقب، وفي كل غرفة قصة لم تُروَ. الخارج يضع الشروط، يرسم الخطوط، يحدد ما يُسمح ترميمه وما يجب تركه مهدّماً. الدعم يأتي مشروطاً، والاعتراف مقيَّداً، والسلطة تتحول إلى إدارة وقت، لا مشروع دولة.
في الطوابق البعيدة، بدأت الأرضيات تصدر أصواتها. الجنوب ليس الشمال، والشرق لا يشبه الساحل. كل غرفة لها مزاجها، وكل جدار يحمل آثار صدام قديم. ما بدا استقراراً في الواجهة، كان في العمق حركة بطيئة للتصدّع. لا تمرد معلن، بل تململ، لا ثورة، بل نفاد صبر.
ومع الوقت، لم يعد البيت بيتاً واحداً. صار مجموعة غرف تُغلق أبوابها من الداخل. اقتصاد هنا، سلطة هناك، قانون مؤقت في زاوية، وسلاح معلّق على كل جدار. لا أحد أعلن الانقسام، لكن الجميع تصرّف على أساسه. هكذا يبدأ التفكك: بلا بيان، وبلا خريطة، وبكثير من الصمت.
الأخطر أن الحُرّاس افترضوا أن الغرفة الأكبر ستكفيهم. لكنها لم تكن غرفة واحدة، بل طابق كامل، مليء بالتناقضات. المكوّن السني، الذي اعتُبر خزاناً صامتاً، لم يقبل أن يكون أثاثاً في بيت لا يملكه. هو نفسه متشقق، متنوع، غاضب، يبحث عن معنى لا عن أوامر. ومن داخله، لا من خارجه، سيخرج السؤال الأخطر: من يتكلم باسمي؟
هنا، يتغير شكل الصراع. لم يعد بين غرف متقابلة فقط، بل داخل الغرفة نفسها. بين من يريد إعادة بناء البيت، ومن يكتفي بحراسته. بين من يرى في الدولة عقداً، ومن يتعامل معها كغنيمة مؤقتة.
في هذه اللحظة، تصبح الحقيقة واضحة: سوريا لم تنتقل من ساكن إلى ساكن، بل من بيتٍ متداعٍ إلى بيت بلا أصحاب. سلطة تتحرك بين الجدران، لكنها لا تملكها. تحصي المفاتيح، لكنها لا تعرف لمن الأبواب.
المستقبل القريب لا يحمل وعد ترميم شامل، بل إدارة متواصلة للانهيار. محاولات لتدعيم الأعمدة، فيما الأساسات تهبط ببطء. هذا ليس قدراً، لكنه نتيجة طريق اختير بعناية خاطئة: دخول البيت من باب الحراسة، لا من باب الشراكة.
في سوريا اليوم، الحكاية لم تنتهِ. لكن كل من يعرف البيوت القديمة، يدرك أن الجدران لا تسقط فجأة. إنها تنهار حين يفقد ساكنوها الإيمان بأنها بيتهم. وعندها، لا تنفع المفاتيح، ولا الحُرّاس، ولا الخرائط.
يبقى سؤال واحد معلّق في الهواء:
هل يُعاد بناء البيت بأيدي أهله… أم يُترك ليتحوّل إلى غرف بلا اسم، في ذاكرة بلدٍ كان يوماً دولة؟
عباس المعلم - كاتب سياسي