إيران تقاتل وحدها… وترامب يستنفر ثلثي العالم
مقالات
إيران تقاتل وحدها… وترامب يستنفر ثلثي العالم
عباس المعلم
16 آذار 2026 , 16:03 م

بقلم ( عباس المعلم )

حتى الآن، ورغم ما تتعرض له من عدوان مدمّر ومتواصل على مدار الساعة، لم تُسجّل إيران طلباً رسمياً واحداً او غير ذلك للحصول على دعم عسكري مباشر، ولا حتى استغاثة سياسية عاجلة من أي طرف دولي. فهي، في خطابها العلني على الأقل، تتصرف وكأنها تخوض معركتها منفردة، مستندة إلى سردية الصمود والاكتفاء الذاتي، ومراهنة على تماسكها الداخلي وقدرتها على إدارة الصراع بمواردها الذاتية.

في المقابل، يظهر مشهد مغاير على الضفة الأمريكية. فـ دونالد ترامب الذي لا يكف في خطاباته عن التباهي بامتلاك «أقوى جيش وأعظم اقتصاد في العالم»، ويكرر بإيقاع دعائي ثابت أنه «هزم طهران» و«سحق قدراتها العسكرية بنسبة مئة بالمئة»، يجد نفسه في مفارقة لافتة يطرق أبواب الحلفاء والخصوم معاً طلباً للمساندة والضغط الجماعي. فالدعوات تتجه إلى بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وإلى حلف حلف شمال الأطلسي ، بل تمتد إلى قوى أخرى مثل تركيا و أوكرانيا والهند، ولا يتردد الخطاب الأمريكي في مخاطبة روسيا والصين أيضاً، لحثّ إيران على ضمان حرية الملاحة في مضيق مضيق هرمز..

هذه المفارقة لا تقف عند حدود السياسة الظاهرة، بل تمتد إلى البنية النفسية للخطاب ذاته. فترامب، الذي بنى صورته السياسية على نموذج «الرجل الذي لا يُهزم»، يبدو أسير ما يمكن وصفه بآلية الإنكار السياسي؛ حيث يتحول الاعتراف بالتعقيد أو الصعوبة إلى ما يشبه الاعتراف بالهزيمة. ومن هنا يتولد نوع من الانفصام الخطابي: إعلان النصر الكامل في العلن، يقابله في الواقع سعي حثيث إلى تعبئة تحالفات دولية واسعة لاحتواء تداعيات الصراع. إنها عقدة عدم الاعتراف بالفشل التي تدفع صاحبها إلى تضخيم خطاب التفوق، بينما تكشف الوقائع عن حاجة متزايدة إلى الآخرين.

وبين هذين المشهدين المتقابلين تتبلور صورة أوسع للصراع إيران، وفق الواقع ، تقف وحيدة في مواجهة منظومة ضغط دولية متعددة المستويات، بينما الولايات المتحدة، رغم فائض القوة الذي تعلنه، تتحرك ضمن شبكة واسعة من الحلفاء والشركاء لتثبيت معادلة الردع والتحكم بالممرات الاستراتيجية.

من هنا، لم يعد ممكناً توصيف ما يجري بأنه مجرد مواجهة إقليمية محدودة، ولا حتى صراعاً تقليدياً بين دولتين.

ما يتشكل أمامنا هو لوحة جيوسياسية أكثر تعقيداً، تتداخل فيها مصالح القوى الكبرى، وتتقاطع فيها رهانات الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وخريطة التحالفات الدولية. ولذلك تبدو المعركة في رمزيتها السياسية أقرب إلى حرب كونية بالمعنى الاستراتيجي: دولة تقول إنها تواجه العالم وحدها، وقوة عظمى تعلن انتصارها بينما تستنفر ثلثي العالم لضبط إيقاع المواجهة.

قوة تعلن أنها سحقت خصمها بالكامل لكنها ما تزال تبحث عن شركاء لإدارة الخطر، ودولة محاصرة بالعالم كله لكنها تصر على خوض المواجهة منفردة. وبين خطاب النصر المعلن وقلق القوة الكامن، تتكشف حقيقة السياسة الدولية: فالانتصار الحقيقي لا يُقاس بما يُقال في الخطب، بل بما تثبته الوقائع في موازين القوة، وفي قدرة الدول على الصمود وتحمل كلفة الصراع حتى النهاية.

عباس المعلم - كاتب سياسي