هكذا أصبحت إيران ثلاثة بواحد (ايران - أذرع إيران - دول الطوق )
مقالات
هكذا أصبحت إيران ثلاثة بواحد (ايران - أذرع إيران - دول الطوق )
حسن علي طه
20 كانون الثاني 2026 , 17:03 م

كتب حسن علي طه

في اللحظات الأولى لثورة الشعب الإيراني، كانت طلائع بشائرها تحويل واسترداد سفارة إسرائيل لتصبح سفارة لفلسطين، في رسالة واضحة المعالم للثورة؛ فكيف لا، وأراضي السفارات تُعد أرضًا سيادية لدولها.

كانت إيران الدولة الإسلامية الثانية بعد تركيا التي افتتح العدو الإسرائيلي سفارة فيها.

وما بين بداية شرارة الثورة الإسلامية في إيران مطلع عام 1978، وقبل إتمام بشائر النصر في عشرة الفجر شباط 1979، كانت اتفاقية كامب ديفيد بين أنور السادات والعدو الإسرائيلي قد أُنجزت في أيلول 1978، في مشهدية رسم إعادة توازن؛ فبين خسارة الغرب لإيران الشاه، حقق كسب مصر السادات إلى صفّه، مقابل خسارة إيران.

وتُعد مصر عبد الناصر حينها إحدى أهم دول الطوق العربي للعدو الإسرائيلي. وبعد تحييد مصر من الصراع، تلاها الأردن الذي يملك أطول حدود مع فلسطين بطول يقارب 350 كيلومترًا، ويمثل جزءًا كبيرًا منها الضفة الشرقية لنهر الأردن مقابل الضفة الغربية.

أما سوريا فأصبحت محكومة باتفاقية الهدنة التي أنهت حرب عام 1973. ولبنان لم يكن يومًا في حسابات العدو الإسرائيلي، إذ عبّر قادته ( الهاء هنا للعدو وللبنان) مرارًا عن ضعفه، وأن احتلاله لا يحتاج سوى إلى فرقة موسيقية لا عسكرية.

وقد أثبت هذا الرأي صحته عام 1982، يوم اجتاحت إسرائيل لبنان ووصلت إلى مشارف عاصمته بيروت خلال أربعة أيام، قاطعة ما يقارب مئة كيلومتر من حدود فلسطين حتى منطقة خلدة، حيث واجهت أول مقاومة فعلية هناك.

ودون إطالة في السرد، احتلت إسرائيل لبنان، لكن بفعل المقاومة بدأت بالانسحاب تباعًا، وصولًا إلى تحرير عام 2000.

بعد هذا التاريخ، أخذ الصراع أبعادًا مختلفة، وأصبح أكثر حدة ووضوحًا وبعد عام 2006، حين جاء نصر تموز عقب أحداث كبرى، منها: القرار 1559، اغتيال الحريري، وانسحاب الجيش السوري من لبنان.

في تلك المرحلة، بدأ الملف النووي الإيراني يشغل العالم، وكانت إسرائيل رأس الحربة في مواجهته، لما ترى فيه من خطر وجودي.

وفي رسم مشهد الصراع آنذاك، بدأ الحديث عن “أذرع إيران” في أكبر عملية تشويه وتشويش لقضايا المنطقة؛ فأصبحت حركات المقاومة الفلسطينية، بكل ما تملك من حق الدفاع وتحرير الأرض، والمقاومة في لبنان التي تحمي حدودها مع جيشها، تُوصَف بأنها “أذرع إيران”.

ثم جاءت عملية 7 أكتوبر، وما تلاها من نتائج على غزة وفلسطين وسوريا. ولو سلّمنا جدلًا أن العدو حقق إنجازات في بعض هذه الجبهات، إلا أنه لم يستطع حتى تاريخه تثبيت أي منها. ففي لبنان مثلًا، وعلى الرغم من الإتيان بسلطة سياسية موالية للعدو، إلا أن النشيد ما زال هو هو:

“السلاح”، في أوضح مظاهر العجز والوهن لفريق يدّعي السيادة والدولة كذبًا وزورًا.

ومن بين جبهات الصراع، كانت حرب إيران في تموز، التي حضّر لها العدو “الأمريكائيلي” فيما يشبه كذبة كولن باول حول أسلحة الدمار الشامل العراقية عام 2003.

اعتقد “الأمريكائيلي” أنه قادر على احتلال القلعة بقرع الطبول؛ فعطّل عمل منظومات الصواريخ والدفاعات، وقتل مجموعة من كبار القادة، وأعطى إشارة البدء للشارع في أكبر عملية هرج ومرج شهدتها إيران منذ نصف قرن.

غير أن إيران استعادت زمام المبادرة خلال 18 ساعة، وبين مواجهة الداخل وضرب عقر دار تل أبيب، التفّ الشعب حول قيادته في مشهد أربك العدو، وانعكس جماله نصرًا للشعب الإيراني لا مثيل له.

وعلى الرغم من إعادة الكرة بالأدوات نفسها خلال الأيام السابقة، تأكيدًا لنظرية الغباء للفيلسوف أينشتاين بتكرار المحاولات نفسها، فإن تهديد “ترامبياهو” في لحظة التظاهرات لم يكن سوى رهانٍ فاشل من جهة، ودعمٍ للشغب من جهة أخرى. ومع سيطرة النظام على الأرض، تراجع “ترامبياهو” عن تهديده بحجج أقل ما يُقال فيها إنها صبيانية وسخيفة.

أمام كل ما تقدم، استطاعت إيران، بقدراتها، التخلي عن نظرية دول الطوق ونظرية الأذرع، لتتحول الصواريخ الإيرانية إلى طوق خانق حول تل أبيب، وأذرع طويلة تلتف حول عنق الكيان، محرجة بذلك كل العرب والمسلمين من أفريقيا إلى باكستان، مرورًا بتركيا، الذين طالما كانت حجتهم أنهم ليسوا على تماس مباشر مع فلسطين لنجدتها.

أتت صواريخ إيران لتضيف إلى العجز “الأمريكائيلي” عجزًا آخر، وتزيد على همّ “ترامبياهو” همًّا جديدًا، لا يقل عن همّ الملف النووي الذي لم يُعلن الإيراني يومًا إلا أنه برنامج سلمي، ليُضاف إليه رعب الصواريخ الفرط صوتية وغيرها، مما لا نزال نجهل الكثير عنه.

ولا ننسى اليمن، الذي اكتشف العدو أنه يملك مفتاح البحر الأحمر، الذي يُعد العمق الاقتصادي لحركته حول العالم.

نحن نعيش في عالم صغير على رحابته فقد يحصل خلاف بين شخصين على تقاطع طريق عام في بيروت أو دمشق، فلا تستغرب أن تكون له تداعيات في تل أبيب وواشنطن.

وعليه كبر المشهد لتصبح الصورة أوضح

وأن غدا لناظره قريب.