* كان الاحتلال وما زال مبرر وجود حركات واحزاب مقاومة في اي بلد من بلدان العالم .اثبتت التجارب التاريخية لمقاومة الاحتلال الاجنبي،انها لا تحظى على موافقة وتاييد الغالبية الشعبية،وخاصة في مراحلها الاولى،وان الاحتلال يخلق انقساما في المجتمع وفرزا بائنا في التعاطي معه.يمكن تحديده بثلاث فئات.الاولى: الفئة المحافظة الرجعية التي تستسلم وتخضع لارادة المحتل،ويقدم لها بعض الجزر لتبقى مهادنة له.والفئة الثانية: هي التي تقف على الحياد،وهو موقف سلبي،وتمارس النأي بالنفس .والفئة الثالثة: هي الفئة الوطنية الواعية التي تمارس المقاومة وتتبنى مشروعا ثقافيا لنشر وتعميم ثقافة المقاومة،وبرنامج عمل سياسي يشكل البوصلةباتجاه تحقيق المقاومة لبرنامجها ونهجها التحرري ،حتى تحقق المقاومة غايتها المنطقية بالاستقلال الناجز وغير المنقوص.
كذلك اثبتت التجارب التاريخيةان الاحتلال لجأ الى تجنيد القوى المحافظة الرجعية لحمل السلاح لمواجهة قوى الثورة والمقاومة،ومثال ذلك الحزب القومي الصيني (( الكومنتاج ))وجمهورية فيتنام الجنوبية.
الثورة الجزائرية الوحيدة في الوطن العربي التي انجزت مشروع الاستقلال الوطني الناجز دون ان تواجه ثورة مضادة مسلحة.فحققت بذلك مبرر وجودها الذي جعل الشعب الجزائري يقدم ملايين الشهداء والجرحى حبا وطواعية على مذبح الحرية والاستقلال.
* فلسطينيا:- فلسطين الوطن الوحيد في العصر الحديث الذي ما زال يرزخ تحت ابشع انواع الاستعمار الاستيطاني الاجلائي الصهيوني.وأنشاء الكيان الصهيوني الغاصب عام ١٩٤٨،واعتراف دول العالم به.هو مشروع لقوى الاستعمار العالمي قبل ان يكون مشروع الحركة الصهيونية العالمية.
منذ ان وطأت اقدام الاحتلال البريطاني ارض فلسطين بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الاولى،والاعلان الروسي عن وعد بلفور هب الشعب الفلسطيني في انتفاضات وثورات يمكن تصنيفها الى عدة مراحل من اجل القيام بعملية التحليل،والربط والاستنتاج على الطريقة الكيميائية.
المرحلة الاولى:- بدات بانتفاضة البراق وتبعها انتفاضات وثورات ابرزها ثورة عام ١٩٣٦ التي تزامن معها الاضراب العام.ثم استمر النضال حتى عام ١٩٤٨ عام النكبة الفلسطينية كما سماها المفكر قسطنطين زريق،وقيام دولة الكيان.
المرحلة الثانية:- مرحلة ما بعد النكبة وانشاء دولة الكيان الصهيوني. شهدت التجمعات الفلسطينية ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين واكبرها قطاع غزة الذي غالبية سكانه من الذين نزحوا من جنوب فلسطين والمناطق الاخرى،ارهاصات وبدايات تشكيل نويات مقاومة واعمال فدائية،كان قطاع غزة تحت الادارة المصرية وقد ساهم الجيش المصري بتدريب الفدائين بالاستطلاع والدعم اللوجستي.وفي عام ١٩٦٤ تم انشاء منظمة التحرير الفلسطينية بجهود الرئيس المصري جمال عبد الناصر.وانتخاب احمد الشقيري رئيسا للمنظمة.الى جانب ذلك كان هناك منظمات فلسطينية ابرزها حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"،والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين،اللتان ظهرتا الى العلن على الساحة الاردنية بعد نكسة حزيران ١٩٦٧ كما يحلو للاعلام العربي ان يسميها.
لا منظمة التحرير الفلسطينية ولا الفصائل " فتح " و" الجبهة الشعبية " كان لديها مشروعا متكاملا سياسيا،وايديولوجيا،وعسكريا،وثقافيا موحدا للتحرير.بل كلها شعارات تجريدية كتبت في الميثاق الوطني الفلسطيني والنظام الاساسي لحركة " فتح "تحت اسم المبادئ السياسية لحركة "فتح".وكذلك الحال بالنسبة للجبهة الشعبية والفصائل الاخرى.
تم الاطاحة برئيس منظمة التحرير احمد الشقيري ،على اعتبار انه صنيعة النظام الرسمي العربي وتصدر ياسر عرفات ابو عمار قيادة منظمة التحرير وبمباركة الفصائل الفلسطينية.كانت ممارسة العمل الفلسطيني على الساحة الاردنية الاختبار والمختبر الذي كشف الاسرار وعرى زيف الشعارات التجريدية الرنانة،والمراهقة السياسية،التي ادت الى هزيمة الثورة الساحقة في اكبر تجمع فلسطيني.
المرحلة الثالثة:-مرحلة ما بعد الاردن والانتقال الى لبنان.فالساحة اللبنانية بكل تحديات تركيبتها الطائفية والحزبية وفي لبنان تتقاطع صراعات النظام العربي باذرعه ووسائل اعلامه القت بظلالها على مجمل العمل الفلسطيني،وخضعت منظمة التحرير بعجرها وبجرها،وبيسارها ويمينها لعمليات فرز واصطفاف،وشد وجذب،وتنازع بين قياداتها ،وكشفت من كان يضع رجلا في الحقل ورجلا في البور،وبدات قوى الثورة المضادة تطل برأسها على شكل برامج الواقعية السياسية المزخرفة باوهام النرجسية والمراهنة على الحلول السياسية.حصل الفرز الافقي والعامودي في الساحة الفلسطينية بين .تيار القبول بالتسوية وتيار الرفض.
اجتاحت القوات الاسرائيلية لبنان واحتلت الضاحية الشرقية للعاصمة بيروت،ودخل شارون القصر الجمهوري وجلس على كرسي الرئاسة.وقاومت بيروت الغربية،وتحت ازيز الرصاص وهدير المدافع انخرطت قوى الثورة المضادة في مفاوضات مع المبعوث الامريكي الى لبنان فيليب حبيب ادت الى ركوبها البحر الى مناطق الشتات البعيدة،تاركة المخيمات الفلسطينية التي شكلت بيئتها الحاضنة ،تحت رحمة قوات الاحتلال الاسرائيلي والقوى الانعزالية اللبنانية التي ارتكبت مجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا.اما القوى التي رفضت الخروج تموضعت في شرق لبنان وسورية.
المرحلة الرابعة:- تموضع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في العاصمة التونسية تونس.لاحقت اسرائيل القيادات الفلسطينية في تونس.وقام سلاح الجو الاسرائيلي بالاغارة على مقر اجتماع المجلس الثوري لحركة "فتح" وفي عام ١٩٨٨ هاجمت وحدة كوماندوز اسرائيلية مقر اقامة الرجل الثاني في "فتح"القائد الشهيد خليل الوزير ((ابو جهاد))واغتالته.تمت تصفية صلاح خلف (( ابو اياد)) وهايل عبد الحميد ((ابو الهول)) عضوي اللجنة المركزية لحركة "فتح" ولم يعرف حتى الان من الذي قام بالعملية.
وجريا على عادتها في الركض خلف الاوهام قامت قيادة منظمة التحرير بالاعلان عن قيام دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس الشريف !!.المرحلة الخامسة:- على قول المثل ((بعد ان خلي الميدان لحميدان )) اعلنت قوى الثورة المضادة تخليها عن الميثاق الوطني الفلسطيني،متذرعة بالظروف الموضوعية التي نتجت عن غزو صدام حسين للكويت ومن ثم تحريرها وتحفظ دول مجلس التعاون الخليجي على التعاطي مع منظمة التحرير وقطع التمويل عنها.لتذهب الى اخر شوط التنازلات،فوقعت اتفاق اوسلو المشؤوم( وعد بلفور الثاني ) وملحقاته. انتهت صلاحية اتفاق اوسلو باغتيال اسحاق رابين وتسميم ياسر عرفات عرابي الاتفاق.
المرحلة السادسة:-مرحلة تحول السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس (( ابو مازن ))الى حكومة تشبه حكومة فيتنام الجنوبية التي تاسست ككيان يتمتع بالحكم الذاتي في الامبراطورية الاستعمارية الفرنسية.عام ١٩٤٩حتى عام ١٩٥٥ ،وحصلت على اعتراف دولي بها.ثم تحولت الى جمهورية فيتنام الجنوبية بقيادة نغو دينبه ديم. قاتلت ضد الثورة الفيتنامية حتى سقطت بالضربة القاضية عندما هزمت امريكا وعملاؤها.السلطة الفلسطينية المعترف بها عربيا ودوليا تبقى ضرورية حتى انتهاء صلاحيتها.وانتفاء مبرر وجودها.
المرحلة السابعة:- مرحلة التحول من النضال الوطني والقومي الفلسطيني الى صراع الاصولية الاسلامية اولا بسبب فشل منظمة التحرير بكل فصائلها العلمانية،وثانيا هيمنة الاصولية اليهودية التوراتية المتطرفة على كل مفاصل دولة الكيان الصهيوني.فصار عنوان الصراع القدس ومقدساتها المسجد الاقصى وقبة الصخرة،وليست فلسطين من النهر الى البحر،والكيان الثكنة العسكرية المتقدمة للاستعمار في الشرق الاوسط،التي تهدد العالم العربي بكل مكوناته العرقية والدينية.اتخذت الاصولية الاسلامية من الدين سلما تتسلق عليه لتحل محل السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية،والمزايدة عليها بالدين.وعندما استولت على السلطة في قطاع غزة ، وعلى نهج الاخوان المسلمين الميكافيلي (( الغاية تبرر الوسيلة )) راحت تمارس نفس ممارسات السلطة وتطرح برامج قائمة على الحلول السياسية ولكن بحلة جديدة.
اتبعت اسرائيل سياسة الجزر والعصي مع الضفة الضفة الغربية وجعلت منها سجنا مفتوحا على العالم عبر معبر الكرامة بين الضفة والاردن،شريطة ان يحسن الفلسطينيون والسلطة الفلسطينية السلوك. اما قطاع غزة فقد حولته.اسرائيل الى سجن مغلق،ومحاصر،ومجوع.وفوق كل ذلك شنت القوات الاسرائيلية ٢٣ حملة عسكرية على القطاع كانت اخرها عملية حارس الاسوار في حزيران عام ٢٠٢١.
المرحلة الثامنة :-مرحلة ثورة السجين على السجان.في عملية طوفان الاقصى العجائبية.التي قلبت الطاولات،وسحقت كل رقع الشطرنج السياسية على رؤوس اللاعبين في اللعبة الكبرى التي تفرض اللعب بدون قوانين ويدخل فيها لاعبين جدد،الا ان اللاعب الفلسطيني لم يدخل معه الا حزب الله والحوثيين.بقيت امة الملياري مسلم متفرجة.تلك الامة التي عولت وراهنت عليها الاصولية الاسلامية الفلسطينية.وعلى الرغم من ذلك فقد الحقت عملية الطوفان دمارا معنويا وماديا في جيش الكيان الصهيوني ،لا يمكن اصلاحه في المدى المنظور.فتداعت كل قوى حلف الاطلسي لانقاذه من مازقه،بالدعم العسكري والمادي والسياسي،والمعنوي.وضعت عملية الطوفان الحصان امام العربة،وجعلت من القضية الفلسطينية،وعدالتها،وصدقية سرديتها على اولويات الحركات الجماهيرية في العالم،التي رفعت شعار فلسطين حرة من النهر الى البحر،وان اسرائيل دولة نظام ابرتهايد وتمييز عنصري وتمارس المجازر،واوقفت قطار التطبيع..
وعلى صعيد الداخل الاسرائيلي زعزعت ثقة المجتمع والنخب بوجود الكيان.مما دفع الكثيرين الى الهجرة العكسية بدون رجعة ،ومغادرة شركات الاستثمار.والتكنولوجيا الى الهجرة والائحة تطول بتعداد منجزاتها وتداعيتها.
لقد سبق واكدنا ان بنيامين نتنياهو يقود الحرب الوجودية برؤيا استراتيجيةفاستخدم القوة الغاشمة المفرطة ضد المدنيين في القطاع،ودمر كل البنى التحتية والسكنية،ولكنه عجز عن كسر ارادة القتال لدى المقاومين.فجاءت خطة الرئيس الامريكي ترامب لتنقذ الكيان من ورطته.كانت المحصلة انخراط طرفي الصراع في خطة ترامب التي تحولت الى قرار لمجلس الامن الدولي.وكالعادة لم تلتزم اسرائيل باي بند من بنودها واستمرت في احتلال اكثر من ٥٥ بالمئة من مساحة القطاع وتواصل الاعتداءات اليومية على المدنيين العزل، وحصار القطاع،ومنع دخول المساعدات الانسانية.لم يطبق اي من بنود المرحلة الاولى،ومع ذلك انتقل الرئيس الامريكي ترامب الى المرحلة الثانية.
تمت عملية الخداع الامريكية،ووضعت قطاع غزة تحت الوصاية الاجنبية.وبما ان الامور في خواتيمها فقد صار ملخص الحال والوضع الفلسطيني (( في الضفة الغربية لا رادع للمرتدين، وفي غزة ذبحت ناقة الله،واقتسمها السفهاء،وصارت غزة نارا ملتهبة لتقدم قربانا لاله اسرائيل الاكول )).
مهندس زياد ابو الرجا