بقلم ( عباس المعلم )
على طرقات الجنوب، لم يعد الموت حادثًا، بل نظامَ عملٍ بارد، دفترَ دوامٍ تُوقَّع فيه الأرواح ولا تُمنَح إجازة نجاة. الشباب لا يُقتلون صدفة، بل يُستدعون إلى القتل بقرارٍ مكتوب بحبر التواطؤ وعدّاد الصمت.
يخرج الشاب من بيته، فتُغلق الدولة خلفه المعنى، وتفتح السماء سجلّ الأهداف. يمرّ في الطريق الذي سمّاه وطنًا، فتقرّر إسرائيل أن تمتحنه، وتقرّر الدولة سلفًا أن لا تنجح به.
أمٌّ في المطبخ. هذا المشهد وحده وطنٌ كامل. تغسل الرزّ كمن يغسل قلبه، تقف أمام القدر وتنفخ فيه من روحها. تتذوّق المرق، تبتسم وتقول: «سيطلب صحناً ثانيًا». تنتظر وقع الخطوات، لكن الذي يدخل أولًا ليس الابن، بل رائحة احتراقه. رائحة الابن حين يُختصر إلى دخان. تشمّ الهواء فتنهار الحواس دفعةً واحدة: تفهم أن النار لم تأكل اللحم على الطريق فقط، بل التهمت العمر الذي كانت تطهوه بالصبر. القدر يغلي، والقلب ينطفئ. الملح يسقط من يدها، والابن يسقط من الزمن. لا تصرخ.
الأمهات حين يبلغن هذه النقطة يصمتن لأن الصوت أصغر من الفاجعة. تطفئ النار تحت الطعام، وتعرف أن هذا البيت لن يأكل بعد اليوم، بل سيتغذّى على الذكرى، وعلى انتظارٍ بلا نهاية.
ابنةٌ ترى أباها يُمحى من المشهد، لا كإنسان، بل كإحراج سياسي يجب تسويته. تفهم أن الدم حين يُربك السلطة يُخفَّف لغويًا، يُعاد تدويره إعلاميًا، ويُدفن بلا اتهام.
ولدٌ يصير يتيمًا على قارعة الطريق، يتعلّم السياسة قبل الأبجدية ؟ أن الوطن فكرة جميلة لا تعمل في حالات الطوارئ، وأن السيادة لافتة تُزال عند أول صاروخ. إسرائيل تقتل بثقةٍ كاملة، لا لأن سلاحها أذكى، بل لأنها تعرف الحقيقة مكشوفة ، تعرف أن هنا دولة تتقن فنّ البلادة الأخلاقية، تعرف كيف تُبرّد الجريمة وتقدّمها بلا غضب، تعرف كيف تجعل القتل خبرًا عابرًا لا فضيحة وطنية. وهنا، في هذا الموضع تحديدًا، تقف الجريمة عارية: الدولة في لبنان ليست عاجزة، العجز ذريعة. ليست غائبة، الغياب قرار. هي حاضرة لتعدّ الجثث، غائبة لتحمي الأحياء. تعرف الأسماء، تعرف الطرقات، تعرف القاتل، ثم تختار بلا ارتجاف أن تكون شريكًا كامل الأهلية.
هؤلاء الشباب خارج حساباتها، خارج لغتها، خارج أي تعريف للإنسان. أرقام تُستنزف، وأمهات يُطلب منهن الصبر كبديل رخيص عن العدالة. دمٌ يُراق ولا يُطالب بثمنه أحد، كأن الحياة بندٌ يمكن شطبه.
فحين يبلغ الظلم هذا العمق، لا يبقى دعاء، بل ارتداد كوني. الدم المظلوم لا ينام، ولا يُسامح اللغة، ولا يهدأ قبل أن يُسمّى الجاني ويُسمّى الشريك ويُكسر الصمت ككسر عظمٍ قديم.
هكذا يُقتل الشاب كل يوم، بصاروخٍ إسرائيلي يعرف هدفه تمامًا، وبدولةٍ لبنانية تعرف أسماء قتلاها وتُنكرهم بوقاحة باردة، وبعالمٍ يرى المجزرة ويخفض الصوت كي لا ينكسر مزاجه. هذا ليس نصًا، هذا انفجار ضميرٍ متأخر. ليس رثاءً، ولا استعطافًا، بل صرخةٌ تكسر زجاج اللغة وتتركها تنزف كما يجب. الدم هنا لا يطلب عدالة، الدم يتّهم. يتّهم دولةً خفّفت الجريمة حتى صارت هواءً في نشرة المساء، ودوّنت أسماء القتلى بقلمٍ قابلٍ للمحو. يتّهم سلطةً رأت الأم تشمّ ابنها محترقًا فقالت: «ليس الآن». رأت الطرقات مذابح فسمّتها «ظروفًا». رأت الشباب يُحصدون فعدّتهم فائضًا بشريًا لا يليق بالبيانات.
هنا، ينكسر الوطن كصحنٍ فخاري، ولا أحد ينحني ليلمّه. تصير السيادة نكتةً دموية، ويصير الصمت شريك القتل، ويصير التأجيل أداة إعدام. هذا الدم لن يُغفَر له أنه سُفك، بل لن يُغفَر لمن رآه وتدرّب على اللامبالاة. لن يُغفَر لمن عرف القاتل ووقّع على الصمت، لمن جعل الطريق تابوتًا وجعل الدولة شاهد زور. هنا يُعلن الاتهام الأخير ؟ كل أمٍّ شمّت رائحة ابنها قبل أن تراه، كل بيتٍ أطفأ نار الطعام وأشعل شمعة الغياب، كل اسمٍ شُطب من الدفاتر سيعود… لا كشاهد، بل كدينٍ ثقيل في عنق هذه البلاد. وهذا النص لا يُقرأ. هذا النص يُصاب به.
عباس المعلم - كاتب سياسي