عون في قلب العاصفة الإقليمية ..من خطاب الداخل إلى رهانات الناقورة ؟!
مقالات
عون في قلب العاصفة الإقليمية ..من خطاب الداخل إلى رهانات الناقورة ؟!
عباس المعلم
23 كانون الثاني 2026 , 11:44 ص


بقلم ( عباس المعلم )

ما يجري في لبنان لا يمكن قراءته كمسار داخلي مستقل، بل كحلقة في مشهد إقليمي يُدار استخباريًا وسياسيًا على مستوى عالٍ، حيث تتقاطع مصالح واشنطن وتل أبيب مع تحولات إقليمية عميقة، ويُعاد فيها تعريف الأدوار والوظائف والحدود الممكنة لكل ساحة. في هذا الإطار، يبرز أداء جوزيف عون بوصفه جزءًا من هذا التموضع الجديد، لا من باب الانفعال أو الخطأ في التقدير، بل في سياق استجابة محسوبة لمعادلات ضغط دولية وإقليمية متشابكة.

المقاربة الأميركية الحالية للمنطقة انتقلت من مرحلة إدارة التوازنات إلى مرحلة إعادة الهيكلة القسرية. واشنطن تعتبر أن لحظة ما بعد حرب غزة وما تلاها من استنزاف إقليمي فتحت نافذة نادرة لإعادة رسم خرائط النفوذ، لا عبر الحروب الشاملة، بل عبر تفكيك الساحات من الداخل. لبنان، في هذا التصور، يُصنَّف كبيئة قابلة للضغط المركّب بسبب هشاشة اقتصاده، وتصدع نظامه السياسي، ووجود قوة عسكرية خارج منطق الدولة تشكّل في الوقت نفسه عنصر قوة وطنية وعقدة استراتيجية دولية.

في هذا السياق، يُفهم الدفع باتجاه إرسال وفد حكومي رفيع المستوى للقاء جدعون ساعر ويسرائيل كاتس بشكل مباشر في الناقورة، ليس كخطوة تقنية مرتبطة بترتيبات حدودية أو أمنية، بل كاختبار سياسي ـ سيادي بالغ الحساسية. المطلوب من هذا اللقاء كسر الحاجز النفسي والسياسي بين “العدو” و”الدولة”، ونقل العلاقة من مستوى التفاوض غير المباشر إلى مستوى الاحتكاك السياسي المباشر، بما يشكّل مدخلًا لمسار تطبيعي تدريجي، حتى لو جرى تسويقه بعناوين أمنية أو أممية.

إسرائيل من جهتها ترى في هذا المسار فرصة استراتيجية. هي لا تبحث فقط عن تهدئة حدودها الشمالية، بل عن تفكيك البيئة السياسية التي تحمي المقاومة. لذلك يجري التنسيق بين الضغط العسكري المحدود، والاستنزاف الميداني المدروس، وبين المسار السياسي الداخلي اللبناني. القصف والتهجير والتدمير ليسوا رسائل عسكرية فقط، بل أدوات ضغط في مفاوضة غير معلنة عنوانها: الدولة مقابل الاستقرار، ونزع عناصر القوة مقابل وقف النار.

على المستوى الاستخباري، ثمة تقاطع واضح بين التقدير الأميركي والإسرائيلي بأن المواجهة المباشرة مع حزب الله ليست الخيار الأمثل في هذه المرحلة، وأن البديل الأنجع هو تحويل الدولة إلى وسيط ضغط: تضييق قانوني، محاصرة سياسية، تحميل المسؤوليات، وتجفيف هوامش الحركة، بالتوازي مع إبقاء السيف العسكري مرفوعًا فوق الرأس. هذا الأسلوب يسمح بتآكل بطيء ومنهجي، ويقلل من كلفة الحرب المفتوحة غير المضمونة النتائج.

إقليميًا، تلعب بعض العواصم العربية دور “الممر السياسي” لهذا التحول. مناخ التطبيع المتصاعد، والانفتاح المتزايد على إسرائيل تحت عناوين المصالح الاقتصادية والأمنية، يوفّر غطاءً سياسيًا إضافيًا للضغط على لبنان، ويُستخدم كدليل على أن رفض هذا المسار بات “خارج الزمن الإقليمي”. الرسالة الضمنية: من لا يلتحق الآن، سيدفع الثمن وحده لاحقًا.

ضمن هذا المشهد، يتحرك جوزيف عون باعتباره جزءًا من معادلة دولية ترى أن لحظة الحسم تقترب، وأن التردد لم يعد مقبولًا. غير أن الإشكالية الجوهرية تكمن في أن هذا الرهان يتجاهل الطبيعة البنيوية للمجتمع اللبناني، حيث أي محاولة لكسر توازنات كبرى بالقوة السياسية أو الأمنية غالبًا ما تؤدي إلى نتائج عكسية. الضغط قد يراكم توترًا، لكنه لا ينتج بالضرورة خضوعًا، خصوصًا عندما يُترجم في الوعي العام كمسار مفروض من الخارج.

المشهد المقبل، وفق القراءة المبدئية ، يتجه نحو تصعيد مضبوط السقوف: لا حرب شاملة، ولا تسوية كاملة، بل منطقة رمادية طويلة، تُستخدم فيها الأدوات السياسية والقضائية والاقتصادية بالتوازي مع التهديد العسكري. الهدف إبقاء لبنان في حالة استنزاف مستمر، ودفعه في لحظة ما إلى قبول ما كان يرفضه تحت وطأة التعب والخوف.

غير أن هذا السيناريو يحمل مخاطره الكبيرة. فكلما طال الضغط من دون أفق تسوية عادلة، زادت احتمالات الانفجار غير المحسوب، سواء عبر خطأ ميداني، أو توتر داخلي، أو تدخل إقليمي طارئ. وعندها، قد تخرج الأمور عن السيطرة، لا بقرار من المخططين، بل بفعل تراكمات لم تُحسب بدقة.

لبنان اليوم يقف في قلب صراع إرادات لا يملك ترف تجاهله ولا قدرة تحمّل كلفته. والمرحلة المقبلة لن تُقاس بما يُقال في الخطابات، بل بما يُحضَّر في الغرف المغلقة، حيث تُرسم حدود الممكن والممنوع، ويُختبر إلى أي مدى يمكن دفع هذا البلد نحو خيارات لم يخترها طوعًا..

عباس المعلم - كاتب سياسي