هل للخلاف حول تطبيق وقف إطلاق النار، بين لبنان والــعـ.ـدو "الإســـرائيـلي"، المتعلّق بسلاح المــقاومة، من أساس؟ وهل الموضوع لغويٌّ أم سياسيّ؟ أم هل تكرَّر الخلاف حول نص القرارين 242 و338، المتعلّقين بانسحاب قوات الاحــتلال من الأراضي العربية المحـ.ـتلة عام 1967، مرةً أخرى في شأن تطبيق القرار 1701؟ وهل صاغ الأميركيون نص هذا القرارِبصورةٍ تخدمُ التأويلَ "الإسـرائيلي"، كما حصل مع ذَيْنِكَ القرارَيْن؟.
هذا النقاشُ يُفتحُ مُجدّدًا، بعد حديثِ رئيسِ الحكومةِ السابقِ نجيب ميقاتي، في مقابلةٍ على قناة "الجديد،" عن اختلافٍ بينَ النسختينِ الإنجليزيةِ والعربيةِ، لاتفاقِ وَقْفِ إطلاقِ النارِ الذي أوقفَ الحـرب "الإســـرائيـلية" على لبنان، في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، ولا سيما بشأن الفقرات المتعلّقة بحصر السلا ح في جنوب الليطاني فقط، أو بدءًا منه. وتحدث ميقاتي عن أن "نسخة الاتفاق التي وصلت إلى لبنان هي باللغة الإنجليزية وتحمل عبارة starting from Southern Litany أو بدءًا من جنوب الليطاني يبدأ سحب السلا ح".
سُئل ميقاتي: هل كان يجب أن يُحددوا لنا بدءًا من جنوب الليطاني إلى شماله، أو من جنوب الليطاني إلى الحدود؟
أجاب: "لا، بالنسخة العربية ما في بدءًا، يوجد يُسحب السلا ح من جنوب الليطاني، هنا يوجد شوية خلاف، ولكن نحن اعتمدنا بمجلس الوزراء النسخة الإنجليزية التي وصلت لي من السفارة (الأميركية) قبل يوم واحد". وقال إن النسخة العربية موجودة لدى رئيس مجلس النواب نبيه برّي (الذي قاد التفاوض مع الجانب الأميركي)، وأردف بالقول: "توجد ترجمة هكذا تقول، لكن أنا لم أرها". انتهى الاقتباس من المقابلة.
يؤكد كلام ميقاتي وجود أساس لوجهة نظر المــقاومة، وأنه ليس مجردَ تأويلٍ لاحق، وإنما رأي أصيل رافق مفاوضات وقف النار إلى حين إقراره. وبالتالي، فإن الذين يأخذون على المقاومة أنها لا تلتزمُ الاتفاقَ، أو أنها لا تعرفُ علامَ وافقت، لا يدركون أن هناك نصًا يربط موضوعَ السلاحِ تحديداً بمنطقةِ جنوبِ الليطاني حصرًا. إنما صاغ الأميركيون النصَّ بطريقةٍ ملتبسةٍ تفتحُ البابَ أمامَ تأويلهِ في اتّجاهٍ أبعدَ من هذِهِ المنطقة، بما يلائمُ رؤيةَ "إسرائيل" الأمنية. ثمّ أرسلوه إلى مجلس الوزراء اللبناني لإقرارِهِ في جلسةٍ مستعجَلَةٍ عُقِدَتْ على وَقْعِ ضغطِ الـعـدوان على لبنان.
والسؤال الذي طُرح على الرئيس ميقاتي بشأن بداية منطقة عــ..ــمـلـيات الجيش في الجنوب ونهايتها يتطلب من المطالبين بحصر السلا ح في الظروف الراهنة جوابًا شافيًا. وثمة نقاش مع أصحاب هذا الطرح:
-لو كان النص يدعو إلى حصر السلا ح في كلّ الأراضي اللبنانية ضمن اتفاق وقف النار الحالي، لماذا لم يقل "ابتداءً من الحدود اللبنانية-(الفلسـ.ـطينية)" حيث نقطة الاشتباك إلى أقصى نقطة في شمال لبنان، أو بكلمة واحدة على جميع الأراضي اللبنانية؟
-تحتمل عبارة "بدءًا من جنوب الليطاني" تفسيرًا مختلفًا عن التأويل "الإســـ..ـرائيـلي"، وتتعلق بتحديد نطاق المنطقة التي يشملها تطبيق الاتفاق، أي أن الجيش القادم من شمال المنطقة عليه أن ينتشر تدريجيًا ابتداءً من خط جنوب الليطاني باتّجاه الحدود الجنوبية التي كانت حينذاك محور قتال، ليتولى حصر السلا ح في يده ضمن هذه البقعة. وكانت الغاية آنذاك إمساك الجيش اللبناني بالأرض شيئًا فشيئًا، بينما يقدّم جيش الـ.ـعـ.ـدوّ خطة انسحاب من الأراضي التي يحـ.ـتلها خلال 60 يومًا، بما يجنّب الطرفين أي احتكاك من البداية. إن اختيار عبارة "بدءًا من جنوب الليطاني" لا يمكن عزله عن السياق الميداني آنذاك، وسبق أن أشار رئيس مجلس النواب نبيه بري، وهو العارف بدقائق عـ..ــملـيـة التفاوض والمفوَّض من طرف المـ..ـقاومة، إلى هذا المعنى. ويتيح هذا التفسير الذي أخذ به الرئيس بري والمـ..ـقاومة، فهمًا مغايرًا تمامًا للتأويل الأميركي- "الإســـ..ـرائيـلي" الذي يتعامل مع العبارة وكأنها تفويض مفتوح لنزع السلا ح على كامل الأراضي اللبنانية.
-إن عبارة "بدءًا من جنوب الليطاني" التي أدرجها الأميركي و"الإســـ..ـرائيـلي" هي "مسمار جحا" الذي تم دقّه في جسم النص لتبرير الانتـ..ـهاكات اللاحقة على الاتفاق، مع الإشارة إلى أن البند العاشر من نص الاتفاق يقول صراحة: "ستبلغ "إســـ..ـرائيـل" ولبنان عن أي انتـ..ـهاكات مزعومة إلى الآلية وقوات اليونيفيل، دون المساس بحقوقهما في التواصل المباشر مع مجلس الأمن الدولي"، أي أنه لا يوجد أي حق يمنحه الاتفاق للرد مباشرة على أي انتهاك مزعوم للاتفاق.
-إن عبارة "بدءًا من جنوب الليطاني" تُستخدم لربط اتفاق وقف النار بصورة مباشرة بسلا ح المـ..ـقاومة على نحو شامل وكامل من دون تقييد جغرافي، الأمر الذي يعني رهن وقف الـ.ـعـ.ـدوان فعليًا بتسليم السلا ح، ومصادرة وتعطيل إمكانية التفاهم اللبناني حوله. وهذا التحول خطير وينطوي على ارتدادات عميقة على واقع لبنان واستقراره نلمسه يوميًا، ويسمح للعدو بفرض رؤيته الأمنية على لبنان.
-قد يحتجّ المؤيدون لوجهة النظر الأميركية و"الإســـ..ـرائيـلية"، ومنهم وزير الخارجية المفوّه، بأن مقدمة القرار 1701 تتضمن إشارة إلى القرار 1559 الصادر عام 2004، والذي يدعو إلى نزع سلا ح الجماعات المسلـ.ـحة على جميع الأراضي اللبنانية. ولا بد من تذكير هؤلاء بأن القرار 1701 صدر في أعقاب الحـ.ـرب "الإســـ..ـرائيـلية" على لبنان عام 2006، ولم يُثر تطبيقه آنذاك مثل هذا الجدل القائم اليوم حول شمال الليطاني، لأن نص القرار واضح بكونه ينطبق على جنوب خط النهر (تنص الفقرة 8 من القرار على "إنشاء منطقة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني خالية من أي أفراد مسلـ.ـحين أو معدات أو أسـ..ـلحة")، ومن ثمّ فإن عطف القرار 1559 عليه لا يعني بصورة أوتوماتيكية أن التنفيذ يتم بالآلية نفسها، لا سيما أن القرار الأخير-بصرف النظر عن ملابساته وظروف صدوره-لا يحدد آلية تطبيقية أو برمجة زمنية معينة. فكيف إذا كان التنفيذ يتم تحت مطرقة الانتـ..ـهاكات "الإســـ..ـرائيـلية" المتمادية، وهو ما يضرّ قطعًا بأمن لبنان وسيادته؟.
يتضح من ذلك أن القرار 1701 يُستخدم اليوم كأداة ضغط سياسية وأمنية، ما يدل على أن المسألة لا تتعلق بغموض عفوي في النص، بل باستغلال للموقف يهـ.ـدف لتكريس تحوّل في موازين القوى ومحاولة استثمار الخروق "الإســـ..ـرائيـلية" المستمرة لفرض قراءة أحادية للقرار.
في المحصلة، لا يمكن فصل الجدل الحالي حول القرار 1701 عن سوابق "إســـ..ـرائيـلية" وأميركية تاريخية أثارت جدلًا مماثلًا، أبرزها ما جرى مع القرارين 242 و338 المتعلّقين بالانسحاب من الأراضي العربية المحـ.ـتلة عام 1967. يومها، صاغ الأميركيون النصوص بطريقة ملتبسة، ضاع فيها مطلب الانسحاب في غياهب "أل التعريف"، حيث تحدث النص بالإنجليزية عن "انسحاب "إســـ..ـرائيـل" من أراضٍ" (Withdrawal of Israeli armed forces from territories occupied in the recent conflict) من دون "أل التعريف"، ما يوحي بالانسحاب من بعض الأراضي التي احـ.ـتلها جيش الـ.ـعـ.ـدوّ خلال تلك الحـ.ـرب. بينما كانت النسخة الفرنسية تشير إلى "انسحاب القوات المسلـ.ـحة "الإســـ..ـرائيـلية" من الأراضي التي احـ.ـتلتها في النزاع الأخير" (Retrait des forces armées israéliennes des territoires occupés lors du récent conflit)، ما يعني كلّ الأراضي المحـ.ـتلة في تلك الحـ.ـرب. وفتح النص بالإنجليزية الباب أمام تهرب "إســـ..ـرائيـلي" من تنفيذ القرار. وما يحدث الآن يوحي بأن النموذج نفسه يُعاد إنتاجه: نص قابل للتأويل وفق حسابات الصرف الأميركية، وميزان قوى دولي يُستخدم لفرض المعنى الذي يخدم "إســـ..ـرائيـل"، لا القانون الدولي.
هكذا، يتبيّن أن الخلاف حول اتفاق وقف النار الذي يستند إلى القرار 1701 ليس لغويًا ولا تقنيًا، بل سياسي وإستراتيجي بامتياز. وهو خلاف يعود إلى لحظة الصياغة، لا إلى مرحلة التنفيذ، ويعكس مرة أخرى كيف تتحوّل اللغة في القرارات الدولية إلى أداة صراع تبرر استمرار الـ.ـعـ.ـدوان وانتهاك الاتفاقات.