* كتب الفيلسوف الروسي الكسندر دوغين المعروف بعقل بوتن (( لقد اصبحت " الحرب الباردة" والحدود بين القوى المنخرطة فيها توضيحا مثاليا لنظرية " الحرب العظمى بين القارات" تسعى فيها حضارة البحار للاستيلاء على الفضاء الاوراسي من خلال "طوق الاناكوندا"،وبالتالي منع الخصم من الوصول الى "البحار الدافئة"ومن ثم يجري عملية خنق الخصم داخل حالة من الجمود الداخلي عن طريق الهيمنة على المناطق الساحلية والتحكم بها ( عبر مضاعفة مساحتها باتجاه المركز او القلب القاري ).ما زال الهجوم الذي تشنه حضارة البحار على حضارة اليابسة مستمرا.وقد راحت تظهر بصورة منتظمة ومتتالية في محيط الاتحاد الروسي وعند اطرافه قواعد ومنشأت لوجيستية ومرافق عسكرية تابعة للناتو غايتها هي محاصرة روسيا استراتيجيا.وما زالت هذه العملية متواصلة وتكتسب المزيد من الزخم.لا توضح الجغرافيا السياسية ولا يفسر المنهج الجيوسياسي تلك الاحداث والعمليات بطريقة حاسمة فحسب،بل ويمكنهما التنبؤ بصورة اكيدةبمنطق التطور اللاحق للاحداث،مثل توقع حدوث "حرب القارات العظمى" مستقبلا في عصر العولمة )).
* صرح رئيس الولايات المتحدة الامريكية جورج بوش الابن في شباط/فبراير ٢٠٠٥ ان روسيا ليست حرة في سياساتها الاقليمية لا بشأن "البلاد الاجنبية المتاخمة"( تم انتقاد سياسات روسيا تجاه اوكرانيا ومولدوفيا)،ولا بشأن البلدان المجاورة في اسيا ( ايران وسورية وكوريا الشمالية)، وان روسيا ملزمة بان تضبط سياساتها الداخلية حيث تتناسب مع المعايير التي ترى الولايات المتحدة الامريكية انها معيارية وقياسية.بكلمات اخرى( " نحن الفائزون،وانتم المهزومون،هيا وقعوا هنا" )،
( We win, you lose,sign here.),
ذلك المنطق الذي يمتاز فيه الصقور من المحافظين الجدد في امريكا.
* تم ضم شبه جزيرة القرم من قبل الاتحاد الروسي في اذار/مارس ٢٠١٤ بعاصمتها سيمفروبول حيث كانت جزءا من الاراضي الاوكرانية منذ عام ١٩٥٤ ضمن الاتحاد السوفياتي.
شنت روسيا الحرب الاستباقية على اوكرانيا في شباط/فبراير ٢٠٢٢ لمنع تموضع الاطلسي على حدودها البرية مباشرة،وضمان حرية الملاحة لاسطوليها الحربي والتجاري في البحر الاسود. ومضيق البسفور ،وصولا الى المياه الدافئة في البحر الابيض المتوسط الذي يتموضع فيه الاسطول السادس الامريكي ومقره مدينة نابولي الايطالية.
صرح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف ان الحرب على اوكرانيا التي انخرط فيها الناتو (( ان هذه الحرب لن تتوقف حتى يتم القضاء على النظام الاحادي القطبية الذي وقفت على راسه الولايات المتحدة الامريكية،واحلال نظام دولي جديد متعدد الاقطاب وعادل )).
لقد عبر المفكر السياسي الامريكي صموئيل هنتنغتون بمنتهى الصراحة عن الميزان العام للقوى السياسية الدولية بعد انهيار جدار برلين،وتفكيك الاتحاد السوفياتي،وحل حلف وارسو،بالعبارة التالية.
( The west against the rest. ) اي الغرب ضد البقية.وهذا يعني مخططنا ان الاطلنطية بمواجهة الاوراسية،او البحر ضد البر.وهذا يعني ان الغرب العولمي يعمل على ارساء نظام كوني على مقاسه هو بالذات.في حين ان البقية الباقية" The rest" تقف حجر عثرة في طريقه وتعوقه عن تحقيق مخططاته ونياته
نعود الى الكسندر دوغيين كتب في الجغرافيا السياسية لما بعد الحداثة.(( الامريكيون يسيرون في طريق خاص بهم،وهم يزيلون من طريقهم بشكل منهجي مختلف انواع العراقيل.ونحن لا نمثل بالنسبة اليهم سوى احد تلك العراقيل.لذلك سيعملون على ازالتنا من طريقهم عاجلا او اجلا.وليس لانهم اشرار او لانهم يكرهوننا اكثر من غيرنا،وانما ببساطة لانهم يسيرون نحو هدفهم في السيطرة العالمية،ونحن نقف حجر عثرة في طريقهم نحو ذلك.وهذا لا يعني تحويل الامر الى مسألة دراماتيكية،بل الاكثر دراماتيكية بكثير ان نغمض اعيننا عن الحقيقة وان نواسي انفسنا بالاوهام.واذ يدرك المرء انه لن يكون ثمة ادنى شفقة نحوه،يصبح قادرا على بعث الروح وانهاض الهمم ومن ثم النجاة حتى في ظروف كانت تبدو بلا امل واكثر حلكة وميؤسا منها.مما كان يدركه المفكرون الاستراتيجيون الصينيون القدماء :سوف يحارب الجيش المحاصر بقوة مضاعفة عشرات المرات.وها هو قد تم حشرنا في الزاوية..
* بناء على ما تقدم ينبغي علينا ان نفهم ان السياسات الامريكية تجاه ايران،وروسيا،والصين لا تتعلق بالديموقراطية المزعومة ،ولا بحقوق الانسان،وانما معركة وصراع للسيطرة على قلب اسيا،الذي تشكل ايران بوابته والقلعة المتقدمة لحراسته،بعد ان تهاوت كل القلاع العربية على ايدي الاحتلال الامريكي للعراق والخريف العربي الذي كانت تركيا والاخوان المسلمين اداته التنفيذية.
من هذا المنطلق الواعي على دور ايران، وقعت الصين وايران اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة،وهي اتفاقية تعاون تجاري واستراتيجي مدتها خمسة وعشرون عاما.وقعها في العاصمة الايرانية طهران كل من وزيري خارجية ايران والصين في ٢٧ اذار/ مارس ٢٠٢١ دون ان يعلن عن تفاصيلها النهائية.كما وقعت روسيا وايران معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملةبينهما التي وقعها الرئيس الروسي فلاديمير بوتن والرئيس الايراني مسعود بزشكيان في ١٧ كانون الثاني/يناير ٢٠٢٥.تهدف هذه المعاهدة الى توسيع التعاون الاقتصادي،وتخفيف العقوبات الامريكية،وتعزيز الشراكات العسكرية ،والسياسية.وتهدف الاتفاقية الى تنظيم العلاقات بين روسيا وايران على مدى السنوات العشرين المقبلة.وتغطي مجالات مختلفة.بما في ذلك الدفاع ومكافحة الارهاب والطاقة والتمويل والثقافة.
اما العراق الواقع فعليا تحت الوصاية الامريكية،ويشكل الوجود العسكري الامريكي على ارضه الثكنة المتقدمة على الحدود الايرانية،فقد حاول رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي ان يبرم اتفاقية شراكة وتعاون مع الصين،الا ان امريكا والقوى العراقية والاقليمية المرتهنة لها رعت المظاهرات والاحتجاجات ضد عادل عبد المهدي بذريعة فشله وارتهانه لايران.
تموضعت اسرائيل كاداة ناتوية في اذربيجان ذات الاغلبية المسلمة،مع تركيا ومصر والاردن،واقامت علاقات استراتيجية واقتصادية.وافتتحت سفارتها في باكو عام ١٩٩٣.تستورد اسرائيل ٤٠٪ من نفطها الخام من اذربيجان،وتعمل جمهورية اذربيجان على تهدئة العلاقات بين اسرائيل وتركيا،وتستخدم اسرائيل اذربيجان لمراقبة المخابرات الايرانية.
شبه الرئيس الاذربيجاني الهام علييف علاقة بلاده باسرائيل بجبل جليدي: تسعة اعشارها تحت السطح ولا يمكن رؤيتها.
* قد يتسائل المرء لماذا لم تشارك روسيا والصين في الدفاع عن ايران في حرب الاثنتي عشرة يوما التي شنتها امريكا واسرائيل في حزيران/ يونيو ٢٠٢٤،.بالمعلومات ايران طلبت منهما عدم التدخل لانها ستتكفل بالرد.لكن الحرب لم تتوقف،وانما استمرت باشكال اخرى .فلجأت الولايات المتحدة الى الحرب الاقل كلفة بالاستثمار في الاحتجاجات والمظاهرات التي استخدمت فيها القوى العميلة والمجموعات التخريبية العنف المسلح وحرق الممتلكات العامة والخاصة.تمكنت الدولة الايرانية من القضاء عليها،وعادت تمسك بالامن والسيطرة على كل الامور.
ازدادت هذه الايام الحشود الامريكية في الاقليم مصحوبة بحملة اعلامية من كل اجهزة الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة،وراحت تحدد مواعيد للضربة القادمة التي تستهدف اسقاط النظام في طهران.لكن ما يجري تحت السطح مغاير تماما لما يعتمل في القاع.فالاسد الفارسي والدب الروسي والتنين الصيني سيلتهمون الاناكوندا الامريكية المثخنة الجراح ماليا والمشلولة الحركة امام اعظم الجيوش الاوراسية.
تقول الحكاية الشعبية : (( ان الديك اعتاد يوميا ان يصدح باذان الفجر.فحذره الثعلب بان لا يقوم بذلك لانه يزعجه في منامه،وهدده ان عاود ذلك بانه سيأكله.امتثل الديك لتهديدات الثعلب.ومرت عدة ايام فسأله الكلب لماذا توقفت عن الاذان؟ فقال له الديك لقد هددني الثعلب. فقال له الكلب سادفن نفسي في كومة القش ما عدا اذني وعيناي وفي الصباح تصدح بالاذان.في صبيحة اليوم التالي وقف الديك على كومة القش وصدح بالاذان مثنى وثلاثا ولم يحرك الثعلب ساكنا فقال له الديك ما منعك عن قتلي واكلي؟فقال له الثعلب ما يمنعني هو اذن الحق البائنة في كومة القش )).وهذا هو حال الصين وروسيا اللتان لا تتبجحان ويسودهما الصمت.هذا الصمت في العمق يمتاز بتعدد الالوان فلا يتوهمن احد بقدرة الاناكوندا على خنق الثلاثي الجبار ( الاسد الفارسي،والدب الروسي،والتنين الصيني ).
وستضع الحبلى مولودها في قادم الايام.
مهندس زياد ابو الرجا