بقلم ( عباس المعلم )
حين تبلغ المجتمعات لحظة الانحطاط الأقصى، لا تعود المشكلة في العنف نفسه، بل في تبريره. فالعنف، في أسوأ تجلياته التاريخية، كان دائمًا يحتاج إلى قناع، إلى ذريعة، إلى سردية تبرّره أو تخفّف وطأته. أما حين يصبح العنف مقبولًا أخلاقيًا، بل مطلوبًا، وحين تُقلب الأدوار فيُدان المقهور لأنه صمد، ويُبرَّأ الآمن لأنه حرّض، فذلك إعلان صريح عن سقوط المعيار، لا عن اشتداد الصراع.
لبنان اليوم ليس أمام أزمة سياسية عابرة، بل أمام امتحان فلسفي في تعريف العدالة. هناك بيئة لبنانية تعرّضت لحرب إسرائيلية مدمّرة، لم تستهدف قدرتها العسكرية فحسب، بل استهدفت وجودها الاجتماعي والإنساني. قُصفت القرى، سُوّيت المدن، دُمّرت البنى التحتية، ثم جرى الانتقال إلى مرحلة أكثر انحطاطًا: منع الإعمار، تجريم العودة، ومحاصرة الحياة نفسها. حصار خارجي فاضح، وحصار داخلي أكثر وقاحة لأنه يُمارَس بأدوات محلية وبلغة “سيادية” مستعارة، في مشهد يعيد إلى الذاكرة أسوأ أشكال التواطؤ التي عرفها التاريخ حين كانت الإمبراطوريات تُفضّل وكلاءها على جيوشها.
وفق المنطق الإنساني المجرّد، ووفق ما تقوله الفلسفة الأخلاقية منذ بداياتها، كان يُفترض أن يولّد هذا القهر انفجارًا بلا ضوابط. فالإنسان، كما فهمه هوبز، حين يُجرَّد من الأمان ينزلق إلى منطق البقاء العاري. وكما لاحظت حنّة آرنت، فإن العنف يصبح مغريًا حين تُسحق الكرامة ويُغلق الأفق. هذا ما حدث في غيتوهات أوروبا، وفي سراييفو، وفي فيتنام والجزائر، حيث تحوّل القهر إلى طاقة تدمير شاملة.
لكن ما حدث هنا كسر هذا النسق التاريخي، وفضح الآخرين بدل أن يبرّئهم.فالبيئة التي دُمرت لم تُنتج خطاب إبادة، ولم ترفع منطق الإلغاء، ولم تطالب بمحو المختلف عنها. بقي غضبها، على حدّته، خاضعًا لضبط أخلاقي صارم، رافضًا الانزلاق إلى الحرب الأهلية، ومتمسكًا بفكرة الوحدة والحوار. هذا السلوك، في ميزان الفلسفة الأخلاقية، ليس تفصيلًا سياسيًا، بل قيمة عليا: الامتناع عن الشر حين تكون القدرة عليه ممكنة.
وعند هذه النقطة، يبدأ السقوط الأخلاقي للآخرين.ففي الجهة المقابلة، تقف بيئات لم تُقصف، لم تُحاصر، لم تُدمَّر بيوتها، تعيش استقرارًا نسبيًا، وتحظى بامتيازات الدولة، ومفتوح لها دعم العالم سياسيًا وماليًا وإعلاميًا، وتمتلك المنصّات الكبرى وصناعة الرأي العام. ومع ذلك، يخرج منها خطاب لا يمكن توصيفه إلا كخطاب عدمي: دعوات إلى السحق، الإلغاء، التهجير، ونفي الآخر من الجغرافيا والشرعية والذاكرة.
هنا لا نكون أمام اختلاف سياسي، بل أمام انكشاف أخلاقي فجّ. فالتحريض الخارج من موقع الأمان لا يُفسَّر بوصفه غضبًا، لأنه بلا جرح، ولا يُفهَم بوصفه ردّ فعل، لأنه بلا فعل سابق. إنه كراهية خالصة، مجرّدة من أي سياق إنساني، وهذا ما يجعلها أخطر من العنف نفسه.
في الفلسفة، يُعدّ الشر أكثر رعبًا حين يصبح عاديًا. حين يتحوّل إلى ممارسة يومية، خطابية، مريحة، بلا كلفة ولا إحساس بالذنب. هذا هو المعنى العميق لـ“تفاهة الشر”: أن يدعو الإنسان إلى تدمير الآخر لا لأنه مضطر، بل لأنه قادر، ولا لأنه مهدَّد، بل لأنه محمي.
لم يعرف التاريخ حالة مستقرة واحدة يُحاصَر فيها الضحية أخلاقيًا، ويُطالَب بتبرير بقائه، بينما يُكافأ المحرّض لأنه يتقن لغة القوة السائدة أو يمتلك المنصّة الأعلى صوتًا. حتى أنظمة الفصل العنصري، في أكثر مراحلها وحشية، كانت بحاجة إلى الاعتراف بوجود “مشكلة”. أما هنا، فالمشكلة الوحيدة في نظر هؤلاء هي أن الضحية ما زالت موجودة.
الأخطر من كل ذلك أن هذا الانحطاط لا يُترك عفويًا، بل يُنتَج ويُدار. تُضخّ الكراهية عبر منظومات إعلامية تعرف تمامًا أن نزع الإنسانية عن فئة كاملة هو الشرط الأول لتبرير سحقها لاحقًا. فالتاريخ علّمنا أن القتل لا يبدأ بالسلاح، بل باللغة التي تسبق السلاح وتمنحه شرعية زائفة.
إن البيئة التي تعرّضت للحرب ولم تتحوّل إلى مشروع انتقام قدّمت، في ميزان الأخلاق الخالص، تعريفًا نادرًا للقوة: القدرة على الامتناع. أما الخطاب الذي يطالب اليوم بالسحق من موقع الراحة، فلا يعكس شجاعة ولا رؤية، بل خوفًا عميقًا من ميزان أخلاقي يعرف أصحابه أنه يدينهم.
في لبنان، لم تعد المسألة مسألة سياسة أو سلاح أو اصطفاف، بل مسألة معنى. معنى الإنسان، ومعنى العدالة، ومعنى أن تعيش مع آخر لا يشبهك دون أن تطالب بمحوِه. والتاريخ، مهما طال الزمن، لا يحاكم على النيات ولا على الشعارات، بل على الموقع الذي اختاره كل طرف حين سقطت الأقنعة.قد يعلو صوت الكراهية زمنًا،لكنها دائمًا تخسر حين تُستدعى إلى محكمة الأخلاق..
عباس المعلم - كاتب سياسي