لبنان بلا دولة حماية ..مبانٍ تنهار ومسؤولية تُدفن تحت الأنقاض!!
مقالات
لبنان بلا دولة حماية ..مبانٍ تنهار ومسؤولية تُدفن تحت الأنقاض!!
عباس المعلم
27 كانون الثاني 2026 , 10:18 ص


ما جرى في طرابلس ليس حادثاً عرضياً ولا قضاءً وقدراً، بل نتيجة مباشرة لسياسات دولة اختارت الغياب المتعمّد عن واجبها الأساسي: حماية حياة مواطنيها. انهيار مبنى وسقوط ضحايا ليسا إلا ترجمة مادية لانهيار أعمق، انهيار الدولة كفكرة ومسؤولية. حين ينام الناس في منازل مهددة بالسقوط، فهم لا يعيشون فوق خطر هندسي فقط، بل تحت نظام سياسي يراكم الإهمال ثم يتنصل من نتائجه.

التضارب الفاضح في الأرقام حول عدد المباني المهددة، بين عشرات وآلاف، ليس خللاً إدارياً عابراً، بل دليل قاطع على غياب المرجعية الوطنية. لا مسح هندسي شاملاً، لا فرق مركزية تابعة للدولة، لا معايير موحدة، ولا قرار سيادي يحسم الخطر. هذا الفراغ ليس بريئاً، بل أتاح تحويل الخوف إلى أداة ضغط، تُستخدم لإخلاءات تعسفية وطرد مستأجرين، فيما تُترك العائلات بلا حماية أو بدائل.

وتأتي هذه الكارثة لتكشف مرة أخرى أن لبنان بلا أي منظومة حكومية فعلية لإدارة الكوارث والطوارئ. لا في زمن الحروب، ولا في الحرائق، ولا في الانهيارات والزلازل، ولا حتى في أبسط سيناريوهات الوقاية المسبقة. الدولة لا تخطط، لا تستثمر في الوقاية، ولا تتحرك إلا بعد سقوط الضحايا، وكأن الموت شرط للاعتراف بالأزمة.

أما منظومات الإغاثة، من دفاع مدني وإسعاف، فهي ضحية هذا الإهمال المنهجي. تُستنزف بمهام تفوق قدراتها، من دون تجهيز كافٍ، ومن دون آليات حديثة، ومن دون حقوق مادية تليق بحجم المخاطر، ومن دون تدريب احترافي مستدام. ومع ذلك، يُترك أفرادها في الواجهة، ليغطّوا بأجسادهم وضميرهم عجز السلطة السياسية.

أي قرار بإخلاء مبانٍ أو تطبيق قوانين عقارية دون تأمين بدائل سكنية فورية ليس إجراءً إدارياً، بل قرار سياسي بالتشريد. وأي معالجة تتجاهل البعد الإنساني والاجتماعي هي استمرار للجريمة نفسها بأدوات مختلفة. الدولة التي تعرف حجم الخطر وتملك القدرة على التدخل ولا تفعل، لا يمكن اعتبارها مقصّرة فقط، بل متورطة.

ومن هنا، فإن المساءلة لم تعد خياراً أخلاقياً بل ضرورة سياسية وقضائية.

كل وزارة معنية، وكل بلدية، وكل إدارة تجاهلت التحذيرات أو امتنعت عن إجراء المسح الهندسي أو توفير البدائل السكنية، تتحمل مسؤولية مباشرة عمّا وقع وما قد يقع. أي ضحية جديدة لن تكون نتيجة انهيار مبنى فقط، بل نتيجة قرار رسمي بالإهمال.

المطلوب ليس بيانات تعاطف ولا لجاناً بعد الكارثة، بل محاسبة واضحة: تحديد المسؤوليات، فتح تحقيقات شفافة، وربط الإهمال بالمحاسبة القضائية لا بالتبرير السياسي. كما أن أي خطة إنقاذ يجب أن تكون شاملة وملزمة، تبدأ بالمسح الوطني الفوري، وتمر بتأمين السكن البديل، وتنتهي ببناء منظومة حقيقية لإدارة الكوارث ودعم منظومات الإغاثة.

إن الدولة التي تعجز عن حماية سقف مواطنيها، وتفشل في إنقاذهم قبل سقوطهم تحت الأنقاض، تفقد شرعيتها الأخلاقية قبل السياسية. وأي صمت عن هذه المسؤولية هو تواطؤ، وأي تأخير إضافي هو حكم مسبق على ضحايا لم يُنتشلوا بعد.

عباس المعلم - كاتب سياسي