بقلم (عباس المعلم )
ما جرى في طرابلس ليس حادثاً عرضياً، ولا قضاءً وقدراً، ولا مفاجأة خارجة عن السياق، بل هو نتيجة منطقية لمسار طويل من الإهمال المنهجي وسياسات دولة اختارت الغياب المتعمّد عن أبسط واجباتها: حماية حياة الناس. انهيار مبنى وسقوط ضحايا ليسا إلا الصورة المادية لانهيار أعمق وأخطر: انهيار الدولة كفكرة، وكوظيفة، وكمرجعية أخلاقية. حين ينام الناس في بيوت مهددة بالسقوط، فهم لا يعيشون فقط فوق خطر هندسي، بل تحت نظام سياسي كامل يراكم الإهمال، ثم يتنصّل من نتائجه، ويحوّل الضحايا إلى أرقام في نشرات الأخبار.
التضارب الفاضح في الأرقام حول عدد المباني المهددة – بين عشرات وآلاف – لا يمكن اعتباره خللاً إدارياً عابراً، بل هو دليل صارخ على غياب الدولة كمرجعية وطنية. لا مسح هندسي شامل، لا فرق مركزية تابعة للدولة، لا معايير موحّدة، لا قاعدة بيانات وطنية، ولا قرار سيادي واحد يحسم الخطر ويحدّد المسؤوليات. هذا الفراغ لم يكن بريئاً، بل تحوّل إلى بيئة خصبة لتحويل الخوف إلى أداة ضغط، تُستخدم لإخلاءات تعسفية، وابتزاز اجتماعي، وطرد مستأجرين، فيما تُترك العائلات في العراء: بلا حماية، بلا بدائل، بلا ضمانات، وبلا أي شبكة أمان إنسانية.
وتأتي هذه الكارثة لتكشف مرة أخرى أن لبنان يعيش بلا أي منظومة حكومية فعلية لإدارة الكوارث والطوارئ. لا في زمن الحروب، ولا في الحرائق، ولا في الزلازل، ولا في الانهيارات، ولا حتى في أبسط سيناريوهات الوقاية المسبقة. دولة لا تخطط، لا تستثمر في الوقاية، لا تبني أنظمة إنذار مبكر، ولا تتحرك إلا بعد سقوط الضحايا، وكأن الدم شرط للاعتراف بالأزمة، وكأن الموت هو الآلية الوحيدة لتحريك المؤسسات.
أما منظومات الإغاثة – من دفاع مدني وإسعاف وأجهزة طوارئ – فهي نفسها ضحية هذا الإهمال البنيوي. تُستنزف بمهام تفوق قدراتها، من دون تجهيز كافٍ، ومن دون آليات حديثة، ومن دون حماية اجتماعية، ومن دون حقوق مادية تليق بحجم المخاطر التي يواجهها عناصرها يومياً. ومع ذلك، يُتركون في الواجهة، ليغطّوا بأجسادهم وضميرهم وانضباطهم المهني العجز السياسي والفراغ الإداري والانهيار المؤسسي.
أي قرار بإخلاء مبانٍ أو تطبيق قوانين عقارية دون تأمين بدائل سكنية فورية، ليس إجراءً إدارياً، بل قرار سياسي بالتشريد. وأي معالجة تتجاهل البعد الإنساني والاجتماعي ليست حلاً، بل استمرار للجريمة نفسها بأدوات مختلفة. الدولة التي تعرف حجم الخطر، وتملك القدرة على التدخل، وتختار عدم الفعل، لا يمكن توصيفها كمقصّرة فقط، بل كمتورطة أخلاقياً وسياسياً وقانونياً.
ومن هنا، فإن المساءلة لم تعد خياراً أخلاقياً، بل ضرورة سياسية وقضائية. كل وزارة معنية، وكل بلدية، وكل إدارة، وكل جهة رسمية تجاهلت التحذيرات، أو امتنعت عن إجراء المسح الهندسي، أو تخلّت عن واجبها في تأمين البدائل السكنية، تتحمّل مسؤولية مباشرة عمّا وقع، وما سيقع. وأي ضحية جديدة لن تكون “حادثاً”، بل نتيجة قرار رسمي بالإهمال.
المطلوب ليس بيانات تعاطف، ولا لجاناً بعد الكارثة، ولا خطابات إنشائية، بل محاسبة فعلية: تحديد واضح للمسؤوليات، فتح تحقيقات شفافة، ربط الإهمال بالمحاسبة القضائية لا بالتبرير السياسي. والمطلوب خطة إنقاذ وطنية ملزمة لا شكلية، تبدأ بمسح هندسي وطني شامل، تمر بتأمين سكن بديل كريم وآمن، وتنتهي ببناء منظومة حقيقية لإدارة الكوارث، ودعم مؤسسي مستدام لمنظومات الإغاثة والطوارئ.
إن الدولة التي تعجز عن حماية سقف مواطنيها، وتفشل في إنقاذهم قبل أن يسقطوا تحت الأنقاض، تفقد شرعيتها الأخلاقية قبل السياسية، وتسقط كمرجعية حماية لا كسلطة فقط. وأي صمت عن هذه المسؤولية هو تواطؤ، وأي تأخير إضافي هو اشتراك في الجريمة، وأي إدارة للأزمة بعقلية الترقيع هي إنتاج مباشر لكوارث أكبر. نحن لا نقف أمام حادث، بل أمام مسار انهياري متصاعد سيطال المدن والقرى والبنى الاجتماعية والإنسانية إذا لم يُكسر الآن. ما يحدث اليوم في طرابلس يمكن أن يتكرر غداً في أي مكان في لبنان. التحذير لم يعد سياسياً بل وجودياً: إما دولة تحمي الناس، أو سلطة تتركهم يموتون بصمت. وإما كسر منظومة الإهمال الآن، أو الاستعداد لعدّ الضحايا لاحقاً.
عباس المعلم - كاتب سياسي