كتب حسن علي طه
يعود تاريخ المقاهي في لبنان فعليًا إلى العصر العثماني (القرن السادس عشر والسابع عشر)، حيث انتشرت المقاهي في المدن، من بيروت وطرابلس ولاحقًا صيدا.
ومع تشكّل الحياة السياسية، ما بين نهاية الدولة العثمانية وبداية الانتداب الفرنسي، أخذت المقاهي بُعدًا سياسيًا، إذ أصبحت المكان الذي يلتقي فيه رجال النخب من سياسيين مُحزّبين، وإعلاميين، ومثقفين.
وفي هذا السياق، اشتهرت العديد من المقاهي بروّادها؛ فمن مقهى فيصل إلى الحاج داوود، هناك حيث كانت تُناقَش التشكيلات الوزارية، وتُنشأ معارضات، وتُحاك تفاهمات، وحتى التحالفات الانتخابية للبرلمان كان المقهى حاضنها الأول والأساسي. وما زال ذلك، إلى اليوم، إرثًا من ماضٍ بعيد، حيث نرى المقاهي في أيام الانتخابات وقد تحوّلت إلى منتديات لعقد اللقاءات مع المرشحين، وأحيانًا إلى مكاتب للمفاتيح الانتخابية لتقديم الخدمات للناخبين، من بطاقات انتخابية ونقل وفرق مندوبين للمرشحين، وصولًا إلى شراء الأصوات.
وعُرفت مقاهي الرصيف، مثل الويمبي والمودكا وغيرها، بأسماء لامعة في عالم الفن والثقافة، أمثال بول شاؤول، وعبيدو باشا، وروجيه عساف، وكثيرين ممّن أسهموا في بناء منظومة ثقافية، في أيام كانت فيها الميليشيات قد استبدلت قلم الرصاص بالرصاص نفسه.
وبقيت المقاهي الشعبية، بقهوةٍ ونرجيلة وطاولة زهر او ورق الشدّة، منتشرة، ولو بمعدل مقهى في كل منطقة:
قهوة البسطة، ودوغان النويري، والقائد بربور، والبربير...
هذا حال مقاهي لبنان قديمًا. فماذا عنها اليوم؟
راجت في لبنان، خلال العقدين الأخيرين، ظاهرة المقاهي، حتى ليصحّ القول إن لبنان أصبح، إلى حدٍّ ما، مقهى مفتوحًا. فلن تجد شارعًا إلا وقد امتلأ بعدد من المقاهي، ما بين زاوية ورصيف، أو حتى في طوابق الأبنية. وأنت تتجوّل في أحياء العاصمة وضواحيها، تتعجّب من كثافة الروّاد والحضور اليومي حتى في أوقات الدوام الرسمي.
فإن كان مبرر الازدحام في عطلة نهاية الأسبوع أو أيام المناسبات مثلًا، فاللافت أن المشهد يتكرر في معظم الأيام.
يرى البعض في هذه الظاهرة انعكاسًا للواقع الاقتصادي الصعب وارتفاع نسب البطالة، أو تحوّل المقهى إلى مساحة انتظارٍ مفتوحة في بلد تتقلّص فيه فرص العمل. وربما هي أيضًا مساحة تعويض اجتماعي ونفسي في ظل الأزمات المتراكمة.
وفي بعض الحالات، قد تتحوّل بعض المقاهي إلى بيئات تُدار فيها نشاطات وتجارات غير رسمية أو مشبوهة، كما قد يحصل في أي مساحة عامة مفتوحة، لكن ذلك لا يُعمَّم على الجميع.
وفي زحمة المقاهي، والحوارات التي تمتدّ فوق الطاولات في استعراضات معرفية بكل شاردة وواردة، يبقى السؤال: كم مما يُقال يبقى كلامًا عابرًا، وكم منه يُحفظ ويُتداول في دوائر أوسع؟ فالأماكن العامة، بطبيعتها، ليست مغلقة، وما يُقال فيها قد يتجاوز حدود الطاولة أحيانًا، ليشكّل خطرًا كأرض خصبة لجذب من يريد جمع معلومات ليقدّمها للعدو حقدًا أو بثمنٍ زهيد ممن أضاع بوصلة الكرامة.
المقهى لم يتغيّر في شكله، لكن وظيفته الاجتماعية تبدّلت.
وبين أمسه الثقافي وحاضره الصاخب، تبقى المقاهي مرآةً صادقةً لتحوّلات المجتمع نفسه