كشفت دراسة حديثة أن الخلافات العائلية، خصوصا حول القضايا السياسية، أصبحت سببا رئيسيا في تفكك العلاقات داخل الأسر. ووفقا لدراسة أجرتها الجمعية الأمريكية للطب النفسي عام 2024، دخل اثنان من كل خمسة أمريكيين في شجار مع أحد أفراد العائلة بسبب السياسة، بينما أدى الخلاف لدى واحد من كل خمسة إلى القطيعة أو حظر أحد الأقارب على وسائل التواصل الاجتماعي أو تجنب المناسبات العائلية.
هذه الخلافات، إذا لم تُعالج، قد تلحق ضررا دائما بالعلاقات، وتؤثر سلبا في الصحة النفسية والجسدية، بل وحتى في متوسط العمر. وغالبا ما يُنظر إلى التسامح بوصفه الحل، إلا أن خبراء يؤكدون أن مفهومه يُساء فهمه على نطاق واسع.
التسامح ليس دائما مصالحة
يوضح ريتشارد بالكِن، أستاذ الإرشاد النفسي والمعالج المرخّص والباحث في شؤون التسامح، أن التسامح غالبا ما يُقدَّم بوصفه واجبا أخلاقيا، وكأنه السبيل الوحيد للسلام النفسي.
ويشير إلى المقولة الشهيرة للشاعر ألكسندر بوب:
"الخطأ إنساني، أما التسامح فإلهي"،
والتي تعزز فكرة أن التسامح يجعل الإنسان أفضل أخلاقيًا.
لكن الواقع، بحسب بالكِن، أكثر تعقيدا. فـ إصلاح العلاقة أو المصالحة ليس دائما ممكنا أو آمنا، خصوصا في الحالات التي تنطوي على أذى أو صدمات نفسية.
ويؤكد أن:
"التسامح لا يعني بالضرورة العودة إلى العلاقة أو إصلاحها."
التسامح عملية داخلية
في جوهره، يُعد التسامح عملية داخلية نفسية تهدف إلى:
التخلي عن مشاعر العداء
تقليل العبء العاطفي
تمكين الشخص من التعافي
وهو يختلف عن المصالحة، التي تتطلب إعادة التفاوض على العلاقة ووجود طرفين مستعدين لذلك.
وقد يكون التسامح داخليا (ذاتيا) حتى عندما تكون المصالحة مستحيلة، مثل:
وفاة الشخص المُسيء
كونه غريبا
أو استمرار العلاقة بشكل سام أو غير آمن
التسامح والكارما والانتقام: أيها أصعب؟
في دراسة أجراها بالكِن عام 2025 مع زملائه أليكس هودجز وجيسون فانّست، تم تحليل المشاعر المرتبطة بـ:
التسامح
الكارما (أن ينال المسيء جزاءه دون تدخل)
الانتقام
وطُلب من المشاركين استرجاع مواقف عاشوها في كل حالة، ثم تقييم مشاعرهم أثناء تذكّرها.
أبرز النتائج:
كان المشاركون أكثر ميلا للتسامح مقارنة بالرغبة في الكارما أو الانتقام (بنسبة 1.5 مرة).
رغم ذلك، أقرّ معظمهم بأن الكرما جعلتهم أكثر سعادة من التسامح.
ارتبط السعي للتسامح بمشاعر:
الحزن
القلق
التوتر
وكان المشاركون أكثر عرضة للحزن أثناء التسامح مقارنة بالانتقام أو الكارما.
ويفسر الباحث ذلك بأن التسامح:
"يتطلب مواجهة مشاعر مؤلمة مثل الغضب والحزن، وهو عمل نفسي شاق."
عمليتان مختلفتان: التسامح والمصالحة
غالبا ما يتم الخلط بين المفهومين، إلا أن الباحثين يميزون بين:
التسامح بين الأشخاص (Interpersonal): يتضمن إعادة بناء العلاقة
التسامح الداخلي (Intrapersonal): يركز على السلام النفسي دون إصلاح العلاقة
وفي كثير من الحالات، تكون المصالحة:
غير ممكنة
أو غير مفيدة
أو حتى خطرة
خصوصًا عندما:
لا يُظهر الطرف الآخر ندمًا
أو لا يغير سلوكه
خبرة إكلينيكية مع الصدمات
يروي بالكِن تجربته في العمل مع مراهقين في وحدة نفسية بالمستشفى، كثير منهم تعرضوا لإساءة أو صدمات. ويؤكد أن النجاح العلاجي لم يكن مرهونا بالمصالحة مع المُسيء، بل بقدرة الضحية على العيش دون أن يهيمن الماضي المؤلم على حاضرها.
ويقول إن التسامح الداخلي قد يعني:
"ما كنت أحتاجه من هذا الشخص لم أحصل عليه، ولم أعد أنتظره."
التخلي عن التوقعات غير الواقعية، بحسبه، يخفف من عبء الألم، ويمنح الشخص حرية تقرير ما إذا كان يريد الاستمرار في استنزاف طاقته العاطفية بالغضب.
التسامح يشبه الحِداد
يشير بالكِن إلى أن التخلي عن مشاعر العداء قد يشبه مراحل الحزن، حيث يمر الشخص بـ:
الإنكار
الغضب
المساومة
الاكتئاب
ثم القبول
وفي النهاية، قد يصل إلى تسامح داخلي دون الحاجة إلى مصالحة.
أربع خطوات لتقييم مسار التسامح
يقترح بالكِن أربع خطوات عملية لتحديد موقعك في رحلة التسامح، ضمن أداة طوّرها تُعرف باسم مؤشر التسامح والمصالحة:
1️⃣ تحدث مع شخص تثق به
الحديث مع صديق أو مرشد أو معالج يجعل الألم قابلًا للنقاش، ويخفف حدته.
2️⃣ قيّم جدوى المصالحة
في بعض الحالات، قد تؤدي المصالحة إلى شفاء العلاقة وتقويتها، خاصة إذا وُجد ندم وتغيير حقيقي.
3️⃣ اعترف بالخسارة إذا لم تكن المصالحة ممكنة
أحيانًا يكون عليك تقبّل أن هناك دينا عاطفيا أو معنويا لن يُسدَّد.
4️⃣ حدّد نوع التسامح المناسب لك
هل هو:
تسامح بين الأشخاص؟
أم تسامح داخلي يحررك من مشاعر العداء؟
ويختم بالكِن بقوله:
"التسامح يتحقق عندما نتخلى عن مشاعر العداء تجاه الآخر، أيّا كان شكل العلاقة بعد ذلك."