تاريخ الحلقة: 26.01.2026
*مقدمة: من التهويل إلى المأزق*
لم يكن التصعيد الأميركي الأخير ضد إيران في رأي عوض سوى ذروة جديدة في سياسة التسخين القصوى بلا قرار التي يتقنها دونالد ترمب. تحشيد عسكري، تهديدات مفتوحة، تسريبات إعلامية، وحديث عن «ضربة وشيكة»… ثم فجأة: تبريد، تراجع، وعروض لضربة “مسرحية”.
هذه ليست ديناميكية قوة واثقة، بل علامة مأزق استراتيجي.
الفرضية المركزية لطرح عوض هي: "ترمب لم يضع إيران في الزاوية، بل قاد نفسه إلى مصيدتها."
*أولًا: لبنان – الغليان الاجتماعي كمسرح ضغط بديل*
يربط عوض باستراتيجية عميقة بين ما هو معد لإيران وما هو حاصل في لبنان، فقبل الدخول في جوهر الاشتباك الأميركي–الإيراني، لا بد من تثبيت الخلفية اللبنانية التي تشكّل أحد ميادين الضغط غير المباشر. والمتمثلة اليوم بغليان عابر للطوائف، فلبنان يشهد احتقانًا اجتماعيًا شاملًا نتيجة
تعطيل إعادة الإعمار، منع عودة النازحين،تدمير كتل سكنية وتهجير تدريجي، انهيار الخدمات، إقفال المؤسسات، وغياب الدولة.
هذا الغليان وفق طرح عوض لا يقتصر على البيئة الشيعية بعينها بل يمتد ليشمل لبنان النموذج بكل طوائفه. ويقدم مثال ما حصل في طرابلس التي تعاني فقر بنيوي، مبانٍ مهددة، ضحايا سقطوا منذ ايام نتيجة انهيار مبنى متداعي على الرغم من أنها تضم كتلة من كبار الأثرياء في المنطقة.
كذلك تعاني المناطق المسيحية من أزمة اقتصادية خانقة وإقفال واسع.
أما البيئة الشيعية فهي تعيش مظلومية مركّبة وعدوان مباشر.
ويحذر عوض من أن انفجارًا اجتماعيًا قد يحدث في أي لحظة، بعيدًا عن الحسابات السياسية.
هذا الواقع ليس عرضيًا، بل جزء من خطة إنهاك وتفكيك تُستخدم فيها الأدوات الاقتصادية والاجتماعية بدل الحرب المباشرة ويستهدف فيه لبنان الكيان وبالامتداد إيران.
*ثانيًا: تفكيك أسطورة التحشيد العسكري الأميركي*
1. *فبركة القوة… وتاريخ الأكاذيب*
الحديث عن “سلاح أميركي سري” أو “قدرة خارقة” تطيح بالأنظمة وهو تكرّر سابقًا في
فنزويلا،سوريا،العراق
في كل هذه الحالات، تبيّن أن ما جرى اختراقات داخلية وخيانات، لا تفوقًا تكنولوجيًا حاسمًا.
2. *عندما يتحوّل التحشيد إلى عبء استراتيجي*
يرى عوض أنه من منظور العلوم العسكرية:
الحشد القريب يعني تحويل القوات إلى أهداف ثمينة،وبالتالي نقل حاملات الطائرات والطائرات إلى مسافات أقرب يقلّص زمن رد الصواريخ المعادية
ومن المعلوم في الحروب بمواجهة العصابات والمقاومة أن الاقتراب من العدو خطأ قاتل.
بكلمات أخرى ما يُسوَّق كقوة أميركية هو في الواقع رافعة قوة لإيران إن وقع الاشتباك.
وفي هذا الطرح أحد أخطر ما يشير إليه عوض هو وهم الاقتراب.
ففي الحروب التقليدية، الاقتراب من مسرح العمليات قد يكون ميزة.أما في الحروب غير المتكافئة، ومع خصم يمتلك
صواريخ دقيقة،طائرات مسيّرة هجومية، شبكة نيران ممتدة فإن الاقتراب يتحوّل إلى انكشاف.
وبالتالي نقل حاملات الطائرات والقواعد الجوية إلى مسافات أقرب من إيران لا يقلّص زمن الضربة الأميركية، بل يقلّص زمن وصول الضربة الإيرانية.
ويعطي مثالا عن التهويل الذي ترافق مع الحديث عن نقل حشود آليات ضخمة للأردن ما يراه عوض أنه إذا كان الصاروخ الايراني يحتاج لمسافة 1400 كم ليصل إلى حيفا أو يافا فإنه يحتاج لقطع مسافة 800 كم ليصل إلى الأردن واذا كان يحتاج زمن 12 دقيقة مثلا للوصول إلى الأرض المحتلة فوصوله للأردن يحتاج 8 دقائق.
*ثالثًا: البر الأميركي في مدى الصواريخ الإيرانية قراءة في استراتيجية العميد علي أبي رعد*
يتوقف عوض عند تحليل نوعي للعميد اللبناني المتقاعد علي أبي رعد الاستراتيجي الذي لفت لنقطة في غاية الأهمية وهي أن أمريكا تاريخيا كانت محصنة في جغرافيتها ولا لم يكن أحد قادر على تهديدها في العمق، ولكن اليوم مع الصواريخ الروسية والصينية التي تقطع آلاف الكيلومترات بسرعات كبيرة من الصعب رصدها من قبل القبب الحديدية ومع الحديث أن إيران وصلت إلى هذه التقنية أو استعارتها من الصين أو روسيا هذا يعني تحولا فرط استراتيجي في حسابات البنتاغون فالبر الأمريكي أصبح في مدى الاستهداف الإيراني وهذا ما لن تقبل امريكا باحتمال حدوثه. كما ينطلق العميد علي أبي رعد من قاعدة عسكرية كثيرًا ما تُهمل في الإعلام وهي أن القوة لا تُقاس بحجم الحشد، بل بقدرة الحشد على المناورة والبقاء والنجاة.
من هذا المنظور، فإن ما يُقدَّم للرأي العام بوصفه “تحشيدًا أميركيًا ضاغطًا” لا يشكّل بالضرورة عامل ردع، بل قد يتحوّل – في ظروف معينة – إلى عبء عملياتي واستراتيجي.
يشكّل هذا الطرح للعميد أبي رعد وفق رأي د.عوض خطرًا على السردية الأميركية؟ لأن أطروحة العميد أبي رعد تنزع الهالة عن “القوة الأميركية”
تحوّل التحشيد من تهديد إلى عبء
وتُظهر أن ميزان الردع ليس أحادي الاتجاه.
وهي بذلك تفسّر لماذا ترفض إيران الضربة المسرحية، ولماذا لا تنجرّ إلى الاستفزاز ولماذا يبدو الوقت يعمل لمصلحتها لا ضدها.
وفي ضوء هذه الرؤية الاستراتيجية يميّز د.عوض بوضوح بين:
- حشد هجومي فعّال (يتطلّب عنصر المفاجأة والسيطرة الجوية والاختراق الاستخباري)
- وحشد استعراضي هدفه الضغط النفسي والسياسي لا القتال
والحالة الراهنة، وفق طرحه، تنتمي بوضوح إلى الصنف الثاني.
وفق التحليل العسكري للعميد أبي رعد، تظهر فكرة محورية شديدة الأهمية برأي د.عوض وهي أن معادلة البر الأمريكي أو استهداف أمريكا في عمقها قلبت الموازين. وكذلك القوات الأميركية المحشودة هي “أهداف ثمينة”.
فحاملة الطائرات ليست مجرد منصة إطلاق بل هدف استراتيجي عالي القيمة السياسية والعسكرية.
و القاعدة العسكرية ليست مساحة آمنة بل نقطة ثابتة في معادلة نيران متحركة
وفي حال اندلاع مواجهة
لا تحتاج إيران إلى “نصر شامل”
يكفيها إصابة نوعية واحدة تُحدث صدمة نفسية وسياسية.
إذآ التحشيد المفرط هو غالبًا علامة ارتباك لا ثقة. الدولة الواثقة تضرب بسرعة، أو تفاوض من موقع قوة.
أما الدولة المترددة فتستعرض
و تهوّل،وتبحث عن تسوية تحفظ ماء الوجه
*رابعًا: درس اليمن: حين سقطت أسطورة السيطرة*
يستحضر عوض تجربة اليمن بوصفها مختبرًا حيًا لفشل التفوق الأميركي–الغربي في بيئة صاروخية غير متكافئة.
في اليمن فشلت أنظمة الدفاع الجوي المتطورة، وأُصيبت أهداف “محصّنة”، كما لم تُفلح حاملات الطائرات في فرض ردع حاسم.
فإذا كان هذا هو الحال أمام قوة محلية محدودة الإمكانات نسبيًا،فكيف سيكون المشهد أمام دولة بحجم إيران، وبعمقها الجغرافي والبشري والعقائدي؟
*خامسا": ترمب – عقل الصفقات لا عقل الاستراتيجيات*
ترمب وفق طرح عوض جاء إلى إيران “مفاوضًا”
في الأصل، لم يكن هدف ترمب إسقاط النظام الإيراني بل أراد اتفاقًا اقتصاديًا واستثمارات أميركية، والأهم إقصاء الأوروبيين عن السوق الإيرانية.
الثابت العقائدي الإيراني
القيادة الإيرانية، وعلى رأسها الخامنئي، حسمت:
لا سلاح نووي (عقيدة لا تكتيك)،لا تفريط بالسيادة
لا قبول بإملاءات مهينة
وهنا بدأ التصادم وفق تحليل عوض فبينما ترمب يفكر بالصفقة، فإن الخامنئي يفكر بمصلحة إيران أمة الثورة والعقيدة.
*سادسًا: فخ نتنياهو… وانقلاب السحر على الساحر*
في ضربة الأيام الـ12
نتنياهو أقنع ترمب بأن النظام الإيراني هش والضربة ستسقطه، وأن الاختراقات كافية لإحداث انهيار. فاستجاب ترمب لتقديرات نتنياهو فكانت
النتيجة أن النظام لم يسقط و
المجتمع الإيراني التفّ حول دولته، أما الاختراقات تبيّن أنها أمنية لا اجتماعية.
وفي لحظة الإدراك الأميركي
ترمب نفسه خرج ليقول:
“أوقفت الحرب لأن إيران كانت ستدمّر إسرائيل”
هذه ليست جملة منتصر… بل اعتراف مأزق.
*سابعًا: الضربة المسرحية – عرض ترمب النزول من على الشجرة*
مع فشل التصعيد، طُرح خيار
ضربة “شكلية” عبر وسطاء (روسيا، باكستان) لحفظ ماء وجه ترمب. فكان جواب إيران حاسما أي ضربة ستعني حربا شاملة لا تبقي ولا تذر. فكان من البديهي أن نسأل لماذا ترفضها إيران؟ يجيب عوض لأن التجربة تقول قبول الضربة تعني بداية الانهيار وأن لدى إيران تجارب ماثلة
عاشتها العراق وفي سوريا. وهي شواهد حية أن أي مساس شكلي بالسيادة يفتح باب الاستباحة الدائمة
إيران تعلّمت الدرس جيدًا أو هذا ما يفترض.
أما ترمب فهو يدرك ان كل يوم يمر دون قرار، يرسّخ واقع أن الولايات المتحدة عالقة في مسرح لا تعرف كيف تغادره دون خسارة
*ثامنًا: ميزان القوى الحقيقي – لماذا ترمب في المصيدة إيرانية؟*
يتخلص الطرح المركزي للحلقة في هذا المحور الهام منها فالمعادلة العسكرية أن
إيران تمتلك صواريخ فرط صوتية ومتوسطة وبعيدة المدى
وفي المقابل قواعد أميركية على مسافة أقرب من “إسرائيل”.حاملات الطائرات جُرّبت في اليمن وفشلت فهل ستصمد في وجه السلاح الإيراني؟
إضافة أن البيئة الدولية متمثلة
بروسيا والصين ترفضان كسر إيران هذا يعني أي حرب تعني تفجير الإقليم.
إضافة أن المؤسسة العسكرية الأميركية نفسها مترددة فإذا قبلت بالضربة فهي لا تملك جواب ماذا بعد؟
وبالتالي يرى عوض ان ترمب أمام الخياران الكارثيان
إن ضرب فهذا يعني حرب كبرى غير مضمونة.وإن لم يضرب تراجع وانكسار سياسي.
هذه هي المصيدة.
*تاسعًا: مقارنة القيادتين – لماذا يميل الميزان؟*
يرفض عوض الإصرار عند الكثير من عقد مقارنة بين شخصانية الخامنئي وترمب
فترامب انفعالي، يخطط بعقل سمسرة وصفقات، محاط بتجار ولوبّيات.
أما الخامنئي فهو قائد مؤسسي
عقل استراتيجي طويل النفس
يستند إلى دولة، عقيدة، وتاريخ
لا يساوم على السيادة.
المقارنة برأي عوض ليست أخلاقية… بل بنيوية، والنتيجة واضحة.
*خاتمة: إيران انتصرت أما المشهد الأمريكي على عتبة تبريد… وبداية أفول*
يخلص د.عوض ان ما يجري ليس انتصارًا بالضربة، بل انتصار بالصبر و بالميزان،
انتصار بجعل الخصم عاجزًا عن القرار.
ترمب وقع في مصيدة الخامنئي وإيران.
والتحشيد الذي رُوّج له كتهديد، قد يُسجَّل لاحقًا كأحد أكبر أخطاء الردع في تاريخ الولايات المتحدة، في حين رسم عقل صانع السجاد المشهد الأخير بخيوطه.
بتاريخ: 27.01.2026
لمتابعة الحلقة كاملة على الرابط
https://youtu.be/AVK1rF3xcFE?si=HweuMo_gpiILNmi1