وهل نحن تسير إلى كارثة جيوسياسية ، و كيف يتصرف (المدير التنفيذي) ترامب لإنقاذ العالم بمفرده دون استشارة الكونغرس من فنزويلا وإيران وصولا إلى ثلوج الدنمارك غير مبالي بانهيار حلف الناتو وهو في مهمته (الأخلاقية) الأعلى من كل القوانين الدولية؟.
ترامب و النفط
تشكل مجموعة أحدث مبادرات إدارة ترامب في السياسة الخارجية شكل دراما أمريكية في الجيوسياسة ، حيث يظهر " شخص واحد ضد الجميع و ببطولات على كافة الجبهات كصانع سلام تجلى ذلك في عرض من مشاهد ثلاث ، وأما المشهد رابع (مجلس السلام من اجل غزة) وله بحث مستقل لاحق..
المشهد الأول : فنزويلا ، عملية "تلميح خفي
بينما كان الكونغرس يكافح لإبداء رأيه في مسألة إرسال قوات إلى دولة أخرى و دافع أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون بقوة عن حق الرئيس في التحرك بسرعة في اليوم السابق رفض مجلس الشيوخ الأمريكي قرارا يحظر استخدام القوة المسلحة ضد فنزويلا دون موافقة الكونغرس لو تم تبني القرار(ثم أقره مجلس النواب الأمريكي)، لأصبح إرسال قوات إلى فنزويلا يتطلب تصويتا من الكونغرس بأكمله أو إعلان حرب ، لكن القرار رفض ولا يزال ترامب حرا في التصرف بالقوات الأمريكية بشكل مستقل ، ولماذا انتظار جلسات التصويت المملة وإعلانات الحرب ، بينما يمكن ببساطة التوجه جوا واعتقال الرئيس الشرعي نيكولاس مادورو؟ المتهم بتهريب المخدرات ، و لديه اليوم فرصة كبيرة ليصبح نجم في النظام القضائي الأمريكي ، أما مصطلح مثل دبلوماسي و مفاوضات لم تعد فعالة عند الترامبية المتجددة.
المشهد الثاني و ساحته إيران، و البيت الابيض في طريقه إلى "دبلوماسية القصف من وراء الكواليس و ما يزال وزير الخارجية الإيراني، يحاول الحديث عن المفاوضات والدبلوماسية و يقول "لا يمكن قصف التكنولوجيا" و يذكر العالم بأسلوب مؤثر بعدوان الصيف الماضي على بلاده ، عندما قصفت الولايات المتحدة وإسرائيل المنشآت النووية الإيرانية ،وبعد قصف التكنولوجيا يستمر التهديد بـ"إجراءات قاسية" ردا على قمع الاحتجاجات الداخلية ، التي حملت طهران إسرائيل مسؤولية ما جرى فيها من قتل عناصر الأمن و تخريب مراكز الدولة رغبة منها في جر الولايات المتحدة إلى الحرب و إنها مؤامرة معقدة ، لكن رغم ذلك ، فالبطل الأمريكي مستعد وبكل اريحية للعب دور القاضي في تنفيذ العقاب والثواب إلى ان أكد الوزير الإيراني أنهم لا ينوون إعدام أي شخص وأن الوضع "تحت السيطرة تماما"، وبالتالي سحب ذريعة التدخل العسكري لمساعدة أولئك الذين ينتظره حبل المشانق ولكن رغم ذلك ، قامت ايران بإغلاق مجالها الجوي بالكامل بانتظار مزاج ترامب او الخديعه الثانية و ينتظر الضوء الاخضر من بيبي و اكتمال استعدادات الكيان للتصدي للصواريخ الايرانية هذه المرة و رشقات غير مسبوقة من حيث العدد و النوعية والاخطر هو جهاد “الفرض عين” ان تم قتل المرشد الاعلى و مسرحه من وسط آسيا وصولا إلى شاطئ الشرقي للبحر المتوسط وصولا إلى باب المندب.
المشهد الثالث الذروة حاليا - دراما جزيرة “غرينلاند” و معركة الثلج وأدوات التزلج بعد إصرار دونالد ترامب على يانتزاعها مع بداية توجهه الأوسع نحو القطب الشمالي بسياسة جديدة للولايات المتحدة قبل التوجه إلى معركة القطب الشمالي ، لاننسى خلال حملته الرئاسية الأولى كان ترامب قد انتقد بشدة إدارة أوباما لتجاهلها قضية القطب الشمالي و تخلفها الكارثي عن روسيا في تنمية المنطقة ومع ذلك، بعد توليه منصبه وأعلن اولوياته الأولى هي إعطاء دفعة قوية للتنمية الاقتصادية في الاسكا، بما في ذلك من خلال توسيع إنتاج الهيدروكربونات والثانية هي تعزيز الوجود العسكري في منطقة القطب الشمالي ، هذا يعني أن إدارة ترامب الأولى اكدت أن القطب الشمالي أصبح ساحة تنافس استراتيجي بين القوى العظمى في العالم ،أي بين الولايات المتحدة و روسيا والصين نظرا للأهمية الهائلة للمنطقة ، التي لا تقتصر أهميتها على الطرق البحرية الواعدة الجديدة التي ظهرت نتيجة ذوبان الجليد ، بل تشمل أيضا احتياطياتها الضخمة من النفط والغاز والمعادن النفيسة و العناصر الأرضية النادرة.
فروسيا منذ فترة وضعت استراتجيةخططها و بدأن باقامة محطات و مراكز ابحاث مع كوادر مهنية روسية في القطب الشمالي و بدعم وتمويل من الصين ، لذلك يصر ترامب على انتزاع غرينلاند : "نحن بحاجة إلى غرينلاند بأنفسنا!" ، بينما وزير الخارجية الدنماركي ، الذي أخطأ في تقدير حجم هذه العبقرية، يعلن أن غزو غرينلاند (التي تعد جزءا من مملكة الدنمارك، حليفة الناتو) سيقضي على التحالف نفسه ولكن هل يمكن لأمر كهذا، مثل انهيار الكتلة العسكرية الرئيسية في أوروبا ، أن يقف في طريق و مشروع شخصا يرى نفسه المنقذ الوحيد للقطب الشمالي بل للعالم؟ المنطق عنده : لحماية الناتو من روسيا والصين ، لا ضير من تدمير الناتو بغزو دولة عضو فيه .
في سنة 1946 لمن لا يعلم ، كان قد عرض الاتحاد السوفيتي شراء الجزيرة / غرينلاند من الدنمارك مقابل 100 مليون روبل نظرا لموقع الجزيرة الجيوسياسي الاستراتيجي و اعتبرت عملية الشراء "ضرورة عسكرية" خلال عصر الحرب الباردة حيث اكتسبت غرينلاند أهمية استراتيجية بالغة للسيطرة على الممرات البحرية التي تربط موانئ المحيط المتجمد الشمالي السوفيتية بالمحيط الأطلسي، فضلا عن كونها موقع مناسب لنشر أنظمة الإنذار المبكر لإنطلاق الصواريخ الباليستية العابرة للقارات من كلا الجانبين السوفيتي والامريكي.
وعليه الصورة واضحة من أمريكا اللاتينية مرورا بالشرق الأوسط وصول إلى جليد القطب الشمالي ، تتكشف حملة ضخمة لإنقاذ العالم من نفسه على ما يبدو حسب النظرة الترامبية و بطريقة بسيطة تقوم على مبدأ إن وجدت مشكلة أو أزمة ، او هواش متعدد الجنسيات ، فإن الولايات المتحدة مستعدة للتدخل بموافقة الكونغرس أو بدونها مع الحلفاء أو ضدهم ، فإن الدبلوماسية للضعفاء و القائد الحقيقي ( شيخ الصلح ) هو من يمتلك جيشا دائما جاهزا ، وموقع للتغريد و الرسائل افتراضي ، مؤمنا إيمانا راسخا بأنه وحده القادر على إصلاح وحل مشاكل العالم .
أما نحن الذين على صيف التاريخ و الحاضر والمستقبل لم يبقى لنا إلا ان نترقب بشغف وصبر نهاية هذا العرض و إلى أين سيذهب بطله الوحيد؟ إلى القطب الجنوبي لإيقاف طيور البطريق الانفصالية مثلا..؟ و ربما على جميع الجبهات دفعة واحدة؟ و الأيام القليلة القادمة نرى اي مشهد اكثر درامية و لحظة إقفال الستارة و مصير البطل .