{ هام وخطير}
”قراءة جيوسياسية أخلاقية في حرب صفرية، من فلسطين إلى آسيا، حيث تتحول الجغرافيا والديموغرافيا إلى سلاح، ويقاس النصر بالبقاء لا بالضجيج".
قيل في عام واحد وعشرين إن التحرير ممكن، ثم قيل في عام ثلاثة وعشرين إنه قد بدأ، ويقال اليوم أنه اقترب.
وبين القولين مسافة صبر لايقطعها المتحمسون بالهتاف، بل يقطعها العارفون بميزان القوة والتحمل. هذه حرب تحمل قبل أن تكون حرب نيران، وإيران أقدر على التحمل من دولة الكيان الغاصب، لا بالخطاب وحده بل بالمعطيات الصلبة: أرض أوسع، سكان أكثر، ونسيج ديموغرافي أصيل لم يستورد على عجل. الضغط العسكري عليها لا يبدل تركيبتها ولايدفع شعبها إلى الهجرة، لأنهم ليسوا وافدين طارئين. أما اسرائيل، فقد كشف يومان من القصف هشاشتها، إذ منع المواطنون من المغادرة خشية نزيف بشري يهدد التجنيد والإقتصاد، ومع ذلك غادر كثيرون عبر البحر نحو أوروبا، في مفارقة فاضحة.
الأثر السياسي للحرب في إيران يختلف عنه في اسرائيل. مواجهة العدو في بلادنا تزيد شرعية النظم، وتدفع المختلفين إلى الالتفاف حول القيادة ساعة الخطر. في ايران يتقدم الوطن على الخصومة، بينما في دولة الكيان الغاصب تعلق الثقة بالحكومة على نتيجة الحرب، وتقاس الشرعية بميزان الخسارة والربح. هذا الفارق ليس تفصيلا نفسيا، بل محدد إستراتيجي لمسار الصراع.
ثم ان حلفاء جمهورية إيران الإسلامية أشد احتياجا لها من احتياج حلفاء اسرائيل لاسرائيل، حتى الولايات المتحدة نفسها. لقد راهنت تل أبيب على انقلاب عسكري في طهران، مستندة إلى اختراقات واغتيالات وتأجيل انخراط كامل، لتتخذ من الضربة الأولى غطاء. فشل الرهان من اليوم الأول، وانكشف المتواطئون، وترتب على ذلك إدراك دولي بأن الهدف ليس برنامجا نوويا أو صاروخيا سيعاد بناؤه، بل اسقاط النظام ذاته واستبداله بآخر موال. هنا تغيرت الخرائط الذهنية للحلفاء.
بقاء النظام في طهران حيوي لموسكو وبكين واسلام آباد أكثر من بقاء النظام الاسرائيلي لواشنطن. باكستان ترى في نظام موال للهند في طهران خطرا وجوديا عليها يطوقها بين هندين إثنتين، ويهدد برنامجها النووي. لذا فإسناد طهران ضرورة دفاعية. الصين تدرك أن نظاما أمريكي الهوى في إيران يسد غرب آسيا، ويقوي الهند في صراعها مع بكين ويقطع مشروع الحزام ولن يسمح بانقطاع ممرها نحو البحار الدافئة، وبتهديد توازناتها في القوقاز وآسيا الوسطى، وهي تعتمد على الشراكة الإيرانية في أكثر من ملف.
أما دعم الولايات المتحدة لإسرائيل فله حدود هذه المرة. الإقتصاد والسياسة لايحتملان حربا جديدة، والرئيس وناخبوه غير متحمسين. التدخل، إن وقع سيكون جويا ومعلوماتيا وهو لايغير نظام الحكم ولايوقف الصواريخ، كما شهدنا في غزة ولبنان. تغير النظم يحتاج احتلالا بريا، وهو مستحيل عمليا في إيران: لا حدود صالحة للحشد، والإنزال البحري الأكبر في التاريخ الذي حدث على الشواطئ الفرنسية أبان الحرب العالمية الثانية لم يجدي نفعا. فكيف ببلد أوسع وأشد تماسكا؟
هل نصر إيران حتمي؟ في الحروب كل الاحتمالات مفتوحة، والنصر مرهون بأن لا يخذل بعضنا بعضاً. انتصار اسرائيل لايكون إلا بإسقاط النظام في طهران، وهو شبه مستحيل، بينما انتصار إيران يمر بإسقاط النظام في تل أبيب، وهو ممكن. إنها حرب صفرية، تستمر حتى ولو توقف إطلاق النار، لأن العدو في السلم أمهر وأخبث، والهدنة أداة قتال واغتيال. إسرائيل نفسها ولدت من هدنة قبل 77 عام، وتاريخ الهدن في لبنان وغزة شاهد على الخداع.
الخطر الوجودي الذي تواجهه دولة الكيان الغاصب مزدوج: محور مقاوم تقوده طهران، وأغلبية عربية في فلسطين التاريخية. إن فرغت من الأول سعت إلى الثاني، وبدأت بغزة ثم الضفة. ضاربة بالاتفاقيات عرض الحائط. بعدها تتسلل الاستهدافات: مصر أولا في دائرة الاستهداف ثم الأردن فسوريا، فتركيا، لأن دولة إسرائيلية الهوى على الفرات تهدد الأناضول. هنا تتساوى المخاطر على المقاوم والمسالم، ويصبح الجميع فلسطين شئنا أم أبينا.
حتى دول الخليج ليس بمنأى. فالمتغول لايحتاج وسطاء بل أتباعا، و ثروات المنطقة مطمعه. نظام موال في طهران سيقلص الوزن الاستراتيجي للجميع. الرهان على طهران واجب أخلاقي وضميري ووجداني وديني ودفاعي وربحي، والبديل كارثي، إن انخراط دول الطوق هو الضمانة لبقائها. هذه حرب لا وسط فيها. إن بلغ العدو مراده فلن يبقي عاصمة. وليعلم الجميع ذلك، فلا يجب أن ننخدع بسلمه، فقد خاف الخوف الأعظم، تحرير فلسطين اليوم إسقاط نظام في بلد نحن أغلبية سكانه، وهو ممكن وقريب إن لم نخذل بعضنا بعضا. أما غدا، إن أفلح العدو، فقرون من التيه. فاختاروا، وقدموا ثأر الأمة على كل ثأر.
وكمسك الختام:
وعليه، فإن طهران اليوم لا تقف دفاعا عن ذاتها فحسب، بل تتحمل نيابة عن الأمة أثقال معركة لو سقطت، لاسمح الله، لتدحرج الخطر على الجميع بلا استثناء. إن ما أبدته من صبر وصلابة، وما قدمته من تضحيات محسوبة بالعقل لا بالاندفاع، يضعها في موقع الاستحقاق لا المجاملة، وفي موقع الثقة لا الرهان الأعمى. ومن خلال الوقائع لا الشعارات، ليس خيار عاطفة، بل ضرورة وعي ومصلحة وبقاء.
فلنكن على مستوى هذه اللحظة التاريخية، ولنتمنى لطهران النصر والظفر، لأن في نصرها نجاة لنا، وفي خذلانها لأنفسنا قبل غيرنا. وليفعل كل منا ما بوسعه لدرء الخطر المتمثل بالورم السرطاني الذي استوطن جسدنا العربي والذي إن لم يستؤصل لاستشرى وتمدد وأتى على الأخضر واليابس.
مفكر وكاتب حر، فنان وطني شامل في الغربة.